تقديم:
انطلق مسار الإعداد للاستحقاقات الانتخابية الجهوية والجماعية والمهنية، المقرر أن يشهدها المغرب بحر سنة 2027، بلقاءين عقدهما وزير الداخلية يومي الأربعاء والخميس 28 و29 أكتوبر 2026، مع الأحزاب السياسية الممثلة وغير الممثلة في البرلمان. وقد انصب اللقاءان على مدارسة التدابير التي ستحكم الإعداد لتلك الاستحقاقات، حيث أحيط المجتمعون بعزم الوزارة على استصحاب نفس التدابير التشريعية التي حكمت تنظيم اقتراع 23 شتنبر الماضي لانتخاب أعضاء مجلس النواب، ودُعِيت الأحزاب إلى تقديم تصوراتها قبل تاريخ 15 نونبر الجاري بشأن تنظيم انتخابات 2027 .
ولعل ما يثير الانتباه في هذا السياق، إرادة وزارة الداخلية اعتماد نفس التدابير التشريعية التي أطَّرت اقتراع 23 شتنبر 2026، مما يطرح سؤال جدوى مطالبة الأحزاب السياسية بتقديم مقترحاتها بشأن تنظيم الاستحقاقات الانتخابية للسنة المقبلة، طالما أن المنظومة التشريعية الذي ستجري وفقها تلك الاستحقاقات رُسِمَت اختياراتها سلفا.
ومهما يكن، فإن ثمة اعتبارات علمية تدعو إلى قراءة حصيلة كسب الاستحقاق التشريعي ليوم 23 شتنبر، وفحص مدى انضباط التدبير الانتخابي لكل الفاعلين للقواعد القانونية المؤطرة، خصوصا تلك أقرها البرلمان لأول مرة، والبناء على خلاصات تلك القراءة العلمية تجويدا للاستحقاقات الانتخابية اللاحقة تحقيقا لمنهج التراكم وتحصينا للفعل المؤسسي والعمومي من الهدر. وما يؤكد إمكانية هذه المراجعة الإمكان الزمني المتاح أمام بلادنا لإخضاع الترسانة القانونية المؤطرة للانتخابات للمراجعات الضرورية.
وحَسْبُ هذه المقالة أن تتوقف عند البعد الرقمي في مساءلة حصيلة استحقاق 23 شتنبر، واستشراف المتعين بخصوص استحقاقات 2027 والتي تليها.
لقد بذلت الأحزاب السياسية جهدا مقدرا في متن مذكراتها الترافعية بشأن تنظيم الانتخابات التشريعية لسنة 2026، ببلورة تصورات وإجراءات ذات طبيعة رقمية كفيلة بتأهيل المنظومة الانتخابية، وقد يكون لتلك المذكرات بعض الأثر على صياغة الإطار القانوني الناظم لتلك الانتخابات، دون أن ننسى العديد من الإجراءات التي تضمنتها البرامج الانتخابية للأحزاب السياسية ذات الصلة بالتحول الرقمي المطلوب أن يكون موضوعا ورافعة للسياسات العمومية والقطاعية.
وفي هذا الإطار، دعا حزب التقدم والاشتراكية، في متن مذكرته إلى « رقمنة المسار الانتخابي إلكترونيا (من التسجيل إلى الفرز وإعلان النتائج(، وخاصة في مكاتب التصويت، بهدف تعزيز النزاهة والسرعة في النتائج وإتاحتها للعموم فورا مكتبا مكتبًا، والحد من الأخطاء البشرية أو التلاعب » . ودعا حزب العدالة والتنمية من جانبه، ضمن مذكرته إلى « فتح آجال كافية بالنسبة للمواطنين والمواطنات الذين غيروا محلات سكناهم من أجل نقل قيدهم إلى اللائحة الانتخابية للجماعة أو المقاطعة التي يقيمون فيها، مع تبسيط هذا الإجراء، وجعله عملية إلكترونية خالصة » ، كما دعا إلى « فتح إمكانية تقديم طلبات القيد والطعون في اللوائح الانتخابية أمام اللجان الإدارية ولجن الفصل إلكترونيا » ، و »إحاطة عملية إشعار الناخبين، سواء إلكترونيا أو عبر المناولة اليدوية، بالمزيد من الآليات الكفيلة بضمان توصل الناخبين بالإشعارات » . وفيما يخص الحزب الاشتراكي الموحد، فقد نادى ب »إحداث منصة رقمية انتخابية وطنية شاملة تشكل مرجعا موحدا للناخبين والمرشحين على حد سواء، يتم عبرها نشر جميع النصوص القانونية المؤطرة للعملية الانتخابية، وشرح الإجراءات المرتبطة بها بطريقة مبسطة وشفافة. كما تفتح هذه المنصة المجال أمام المواطنين لتقديم مقترحاتهم وآرائهم بشأن العملية الانتخابية، بما يعزز الطابع التشاركي والديمقراطي » . ودعا حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، في مذكرته إلى « إدماج الذكاء الاصطناعي في التسيير الإداري للانتخابات » .
لقد شكلت هذه الدعوات الترافعية ذات الطابع الأفقي، مادة كفيلة بإغناء الترسانة التشريعية الناظمة لاستحقاق 23 شتنبر، وتعزز هذا الدور التطويري بالإجراءات التفصيلية التي تضمنتها مذكرات الأحزاب المعنية، والتي تعلقت بالخصوص بتدبير الترشيحات والحملات الانتخابية وبتدبير يوم الاقتراع، مما سيرد بيانه مفصلا لاحقا في سياق هذا البحث.
ويمكن تَلَمُّس ذلك الإغناء الذي قد يحسب لمذكرات الأحزاب السياسية، من خلال استعراض المقتضيات التي أقرتها التشريعات المؤطرة لانتخابات 2026. فقد نص القانون التنظيمي رقم 53.25 المغير والمتمم للقانون التنظيمي رقم27.11 المتعلق بمجلس النواب، على قواعد تتعلق بإيداع التصريحات بالترشيح عبر منصة إلكترونية، وبالمخالفات الانتخابية المرتكبة باستعمال الشبكات الاجتماعية والمنصات الإلكترونية وأدوات الذكاء الاصطناعي، وبضرورة إيداع حساب الحملة الانتخابية لدى المجلس الأعلى للحسابات عبر المنصة الرقمية المعدة من قبل هذا الأخير، وإيداع نفس الحساب لدى نفس الجهة بطريقة مادية . وعلى المستوى التنظيمي، تم تجديد الموقع الإلكتروني الخاص باللوائح الانتخابية بموجب القرار رقم 503.26 لوزير الداخلية ، كما أُتيحت خدمات إلكترونية للاستعلام عن مكاتب التصويت، إلى جانب خدمة الرسائل النصية القصيرة والتطبيق المخصص.
فإلى أي مدى أسهمت المذكرات الترافعية للأحزاب السياسية، والقوانين المؤطرة المعتمدة، في تجويد التدبير الانتخابي لاستحقاق 23 شتنبر، من زاوية التأطير الرقمي؟ وما هي الخلاصات التي يمكن استخلاصها والقمينة بتأهيل تدبير الاستحقاقات الانتخابية الجماعية والجهوية والمهنية لسنة 2027 والاستحقاقات التي ستشهدها بلادنا في السنوات اللاحقة؟
ذلك ما ستجتهد هذه المقالة في الجواب عنه، استنادا للمرجعيات السياسية والقانونية واستدعاء للتجربة المقارنة، وذلك من خلال محورين، هما:
1) التدبير الإلكتروني للترشيحات والحملات الانتخابية
2) التدبير الإلكتروني لمكاتب التصويت
I. التدبير الإلكتروني للترشيحات والحملات الانتخابية:
أقرَّ المشرع سنة 2026، بمقتضى المادة 95 من القانون التنظيمي 53.25 المغير والمتمم للقانون التنظيمي رقم 27.11 المتعلق بمجلس النواب، المنهجية التي عمل بها المجلس الأعلى للحسابات غداة تنظيم الانتخابات التشريعية لسنة 2021، والتي تخص إيداع حسابات الحملات الانتخابية لدى المجلس الأعلى للحسابات، بتنصيصها على إيداع « التصريحات بالترشيح عبر منصة إلكترونية تخصص لهذا الغرض(…). ولهذه الغاية، يقوم وكيل لائحة الترشيح أو المترشح الفردي، حسب الحالة، بملء التصريح بالترشيح في المنصة الإلكترونية وإرفاقه بالوثائق المنصوص عليها في هذه المادة(…). يجب إيداع أصل التصريح بالترشيح في ثلاثة نظائر من قبل وكيل كل لائحة ترشيح أو كل مترشح بنفسه بمقر العمالة أو الإقليم أو عمالة المقاطعات المعنية بالنسبة للدوائر الانتخابية المحلية، وبمقر ولاية الجهة بالنسبة للدوائر الانتخابية الجهوية، مقابل وصل » .
إن إقرار قاعدة التصريح الإلكتروني بالترشيح لهي خطوة في الاتجاه الصحيح تُحْسَبُ للمشرع، وتحسب قبل ذلك للمجلس الأعلى للحسابات، إذ تشكل وجها للتفاعل التشريعي مع الواقع الجديد الناشئ بفعل الاستعمال الواسع لتكنولوجيات المعلومات والاتصال في المجتمع، وخاصة من قبل الفاعلين السياسيين خلال الاستحقاقات الانتخابية العامة. ويُحْسَب له أيضا مبادرته بإقرار مقتضيات تشريعية في متن القانون التنظيمي 53.25، تروم الاعتراف باستثمار القنوات الرقمية من شبكات التواصل الاجتماعي وغيرها لتنظيم الحملات الانتخابية، كما هو منصوص عليه في المواد 51 و51 المكررة و53 و67 منه . واعتبر المرسوم رقم 2.26.301 ضمن مشمولات النفقات الانتخابية القابلة للدعم المالي العمومي « تغطيةُ مصاريف إنجاز وبث وصلات إشهارية أو نداءات أو مداخلات أو حوارات أو غيرها من الأنشطة ذات الصلة بالحملة الانتخابية عبر الإذاعات الخاصة أو الوسائل الرقمية » .
من جهة أخرى، عمد المشرع إلى تجريم كل الأفعال القائمة على نشر أو إذاعة أو نقل أو بث أو توزيع، أخبار زائفة أو إشاعات كاذبة، أو تركيبة مكونة من أقوال شخص أو صورته، دون موافقته ترمي إلى تحويل أصوات الناخبين أو دفعهم إلى الإمساك عن التصويت، أو ادعاءات أو وقائع كاذبة أو مستندات مختلقة أو مدلس فيها بقصد المساس بالحياة الخاصة لأحد الناخبين أو المترشحين أو التشهير بهم، وكل ذلك عبر شبكات التواصل الاجتماعي أو شبكات البث المفتوح أو أدوات الذكاء الاصطناعي أو أي منصة إلكترونية أو تطبيق يعتمد على الأنترنيت أو الأنظمة المعلوماتية » .
إن قصد المشرع من هذه المقتضيات الزجرية هو إتاحة الفرصة للفاعلين السياسيين لاستثمار الإمكانات التواصلية والتسويقية الهامة التي توفرها القنوات الرقمية، لكن بإحاطة الفعل الانتخابي عبر تلك القنوات بكل ضمانات التخليق وعدم الإساءة. لكن ما قد يثير الملاحظة، هو تنصيص المشرع في القانون 53.25 على تجريم « نشر إعلانات سياسية أو منشورات انتخابية مؤدى عنها على منصات أو مواقع إلكترونية أجنبية » ، ووجه الملاحظة أن استهداف أكبر شريحة ناخبة عبر القنوات الرقمية يستدعي تمويل تلك العملية وأداء تكاليفها لإدارات تلك القنوات، وهو الأمر الجاري بخصوص منشورات شبكات التواصل الاجتماعي، إضافة إلى أن تمويل الوصول المادي »غير الافتراضي » للمترشحين إلى الناخبين يسمح به القانون. لذلك فلا يبدو أن لذلك التقييد لزوما، خصوصا أن القنوات الرقمية خصوصا ما يتعلق منها بشبكات التواصل الاجتماعي توفر إمكانا هائلا للتواصل الانتخابي الرقمي، ولا سبيلَ لتوسعة وعاء المستهدفين بغير الأداء عن هذه الخدمة غير المتاحة مجانا.
صحيح أن هناك نزوعات مسلكية لاستخدام الأداء عن المنشورات الانتخابية عبر الوسائط الرقمية، بما يسيئ لمبادئ وغايات الحملات الانتخابية الرقية، لكن لن يعوز المشرع والمدبرين العموميين تعبئة القواعد والإجراءات الكفيلة بمواجهة تلك الإساءات. إن اتساع الحملة الانتخابية الرقمية وضمور الحملة الانتخابية الميدانية، خلال اقتراع 23 شتنبر الأخير، مما لم تخطئه العين وأمكن رصده بدون كبير عناء، ليدعو إلى تعزيز مقومات السلوك الانتخابي عبر القنوات الرقمية.
لقد دعت مذكرة حزب العدالة والتنمية في إطار المشاورات السياسية للإعداد للانتخابات التشريعية لسنة 2026، إلى « إلزامية جعل الحملات الرقمية الممولة على مستوى مواقع التواصل الاجتماعي وفضاءات الاشهار الإلكترونية والورقية من ضمن مصاريف الحملة الانتخابية التي لا يمكن أن تتجاوز السقف المسموح به قانونا، مع ضرورة تحديد صفحات الحملات الانتخابية وإدراج أي مخالفة في هذا الشأن ضمن موجبات الطعن في النتائج » .
وبالعودة لإجراء التصريح الإلكتروني بالترشيحات، يجدر التذكير بدعوة الحزب الاشتراكي الموحد في مذكرته المتعلقة بالإطار القانوني للانتخابات التشريعية، ب »إيداع ملفات الترشيح إلكترونيا بشكل كامل، بما يقلل من الضغوط على الإدارة وأيضا يضمن المساواة التامة في معالجة ومتابعة ملفات الترشيح، ويوفر شروط النزاهة والإنصاف بين جميع المرشحين، ويتيح إمكانية التحقق الفوري من سلامة الشروط القانونية لكل ملف ترشيح » .
إذا كان التوليف بين الإيداع الرقمي والإيداع المادي للترشيحات برسم اقتراع 23 شتنبر، أمرا مفهوما منهجيا، فلا يصح مراوحة هذا النظام المزدوج بدون سقف زمني معقول، وهو ما يعاب أيضا على استمرار العمل للولاية الثانية على التوالي بالنظام الهجين القائم على التصريح الإلكتروني والمادي بحسابات الحملات الانتخابية لدى المجلس الأعلى للحسابات . إن الفوائد العديدة التي يتيحها نظام إيداع الترشيحات إلكترونيا، لتدعو إلى اعتماده نظاما وحيدا خلال الاستحقاقات الانتخابية لسنة 2027، وإذا تعذر ذلك لاعتبارات وجيهة، فلا عذر لبلادنا ألا تعتمده خلال الاستحقاقات التشريعية المرتقبة سنة 2031. ولعل من أوجه المداخل التي تزكي هذا الاختيار، كون وزارة الاقتصاد والمالية أرست سنة 2023 نموذجا ناجحا لرقمنة الصفقات العمومية بنزع الصفة المادية عن مسطرة إبرامها، لا مكان فيها للورق أو للإجراءات الحضورية ، ويتعين في مقام ثان تعبئة الأدوات التشريعية والتنظيمية وتأهيل الأحزاب السياسية والنقابات والغرف المهنية للانخراط في استحقاقات الترشيح الانتخابي الإلكتروني.
من جهة أخرى، وتعزيزا لفاعلية الاستثمار الأقصى في إمكانات التكنولوجيا الرقمية، يجدر بالسلطة التنفيذية، تثمين مذكرات الأحزاب السياسية التي دعت إلى تطوير تطبيق رسمي لمتابعة البرامج والمترشحات والمترشحين(الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية) ، وإحداث نافذة خاصة بالمرشحين داخل المنصة الرقمية، تمكن المواطنين من الاطلاع على كافة المعلومات الضرورية المتعلقة بهم(الحزب الاشتراكي الموحد) .
ولهذه المقترحات وجهٌ من التجربة المقارنة. فالهند توفر بوابة إلكترونية تتيح تعبئة بيانات الترشيح وإعداد التصريح المرفق بالملف إلكترونياً، وتسجيل تاريخ الإيداع والتعديلات، وإتاحة المعلومات التي يسمح القانون بنشرها، مع حماية البيانات الشخصية التي لا يجوز كشفها . وأما دولة إستونيا فتعتمد نظاما معلوماتيا انتخابيا يقوم على تسجيل المرشحين وتحديد النتائج والمشاركة الانتخابية ونشر المعلومات .
II. التدبير الإلكتروني لمكاتب التصويت:
يعتبر يوم الاقتراع في كل الاستحقاقات الانتخابية تتويجا لكل المسارات التي تسبقه، انطلاقا من المشاورات الحكومية ومرورا بالتدبير التشريعي والتنظيمي والمؤسسي وانتهاء بالحملات الانتخابية التي تُمْتَحَنُ فيها السياسات والبرامج والترشيحات، ويبقى يوم الاقتراع اختبارا أساسا للسلطات العمومية التي يقع عليها عبئ إنفاذ القانون والانضباط لمقتضياته.
والسؤال الذي يلح في هذا السياق، يتعلق بمدى تعبئة الإمكان الرقمي لتأهيل فعاليات يوم الاقتراع وتوسيع المشاركة فيه وتخفيف الضغوط والمعاناة التي تحيط به.
ولمقاربة هذا السؤال، يجدر ابتداء التذكير بالقنوات الرقمية التواصلية التي عبأتها السلطات العمومية، والإمكان القانوني المتاح لتصويت مغاربة العالم، قبل تناول القضية الجوهرية المتصلة بهذا المحور والمتعلقة بالتصويت الإلكتروني وبموقع الرقمنة في تدبير أشغال مكاتب التصويت.
1) الموقع الإلكتروني للوائح الانتخابية وبوابة الانتخابات:
أذِنَت المادة 4 من القانون 88.14 المتعلق بالمراجعة الاستثنائية للوائح الانتخابية العامة، بإحداث موقع إلكتروني يخصص لتقديم طلبات القيد في تلك اللوائح أو نقلها ، وأحالت المادة على قرار لوزير الداخلية يحدد كيفيات وإجراءات تقديم تلك الطلبات عن طريق الموقع. ووفقا للمادة 4، صدر قرار وزير الداخلية المتعلق بالموقع الإلكتروني الخاص باللوائح الانتخابية العامة .
ويتيح هذا الموقع « »www.listeselectorales.ma، للمواطنين تقديم طلبات قيدهم في اللوائح الانتخابية العامة أو نقلهم، ويتلقون إشعارات عبر بُرُدِهِم الإلكترونية -التي صرحوا بها- بمآلات طلباتهم. وفي نهاية كل عملية مراجعة يتم إيداع اللوائح الانتخابية النهائية المحصورة من قبل اللجان الإدارية المعنية، وبناء عليها يمكن لأي مواطن التأكد من تسجيله، والاطلاع على البيانات الخاصة به، بما في ذلك عنوان مكتب التصويت الذي سيمارس فيه حق التصويت. من جهة أخرى، يتيح الموقع إيداع الطلبات الخاصة بإنجاز وكالة التصويت لفائدة المغاربة المقيمين بالخارج.
وفيما يخص بوابة الانتخابات « www.elections.ma » التي تم إنشاؤها سنة 2015، فتتولى تقديم معطيات تخص الهيئة الناخبة برسم كل استحقاق انتخابي، ولائحة الهيئات المشاركة فيه وإحصائيات الترشيح ونتائج الاقتراع مفصلة حسب الدوائر، ونسبة التصويت، وكل ذلك فيما يخص الاستحقاقات الانتخابية التي جرت منذ سنة 2015. وجدير بالذكر أن هذه البوابة تضمنت خانة تمكن من الإيداع الإلكتروني للترشيحات برسم اقتراع 23 شتنبر الأخير، وفقا لما نصت عليه المادة 23 من القانون التنظيمي رقم 53.25 المغير والمتمم للقانون التنظيمي رقم 27.11 المتعلق بمجلس النواب ، قبل أن يتم حجبها بعد انتهاء الأجل المخصص لذلك الإيداع.
والمؤكد أن الموقع والبوابة المذكورين، أسهما في التنمية الانتخابية من مدخل الأداة الرقمية، وقد يكون لهما بعض العائد في حصيلة اقتراع 23 شتنبر.
2) التصويت بالوكالة:
خضع التصويت بالوكالة الممنوح قانونيا لمغاربة العالم، لتطور منذ إقراره لأول مرة في متن المادة 72 من القانون التنظيمي 27.11 المتعلق بمجلس النواب. فقد كانت تلك المادة تنص في أول صياغة لها على جواز تصويت الناخبين المغاربة المقيمين خارج تراب المملكة عن طريق الوكالة، وتنجز تلك الوكالة على حامل ورقي بطريقة حضورية لدى السفارات والقنصليات المغربية .
واستمر العمل بهذا المقتضى ووفق نفس الكيفية على مدى 15 عاما، قبل أن يلجأ المشرع إلى رقمنة الإجراء بمقتضى التعديل الذي أدخله على ذات المادة 72 في متن القانون 53.25 المغير والمتمم للقانون 27.11، بتنصيصه أنه »يتعين على كل ناخب يعنيه الأمر(التصويت بالوكالة) أن ينجز الوكالة عبر منصة إلكترونية مخصصة لهذا الغرض(…)، ثم يقوم(الناخب الموكِّل)بتحميل نسخة من الوكالة وإرسالها عبر البريد الإلكتروني أو البريد العادي إلى الناخب الذي وكَّله للتصويت نيابة عنه بالتراب الوطني. تقوم السلطة الإدارية المحلية التابع لدائرة نفوذها مكتب التصويت، الذي يصوت فيه الناخب الموكَّل إليه، بطبع نسخة من الوكالة من أجل وضعها رهن إشارة رئيس مكتب التصويت المعني يوم الاقتراع قصد التحقق من صحة الوكالة المدلى بها من طرف الناخب الموكَّل إليه » .
وبصرف النظر عن التطور النسبي الذي طرأ على ممارسة حق الوكالة برقمنة الإجراء بإعفاء الناخب الموكِّل من عناء التنقل لإنجاز الوكالة، وبصرف النظر عن الأثر المحدود لهذا الإجراء على نسبة تصويت مغاربة العالم، مما يقتضي تأكيده أو نفيه ببلاغ رسمي للسلطات العمومية، وبصرف النظر أيضا عن محدودية الإطار التشريعي والتنظيمي لتصويت المغاربة المقيمين بالخارج، فإن مسار التصويت بالوكالة ما يزال غير مرقمن بالكامل(غير ناضج رقميا)، طالما أن إحاطة رئيس مكتب التصويت بأي وكالة تتم على حامل ورقي، والحال أنه يسع السلطات الإدارية المعنية فعل ذلك باستعمال بريد إلكتروني رسمي مؤمن، أو عبر النظام المعلوماتي الرسمي لتدبير الانتخابات أو عن طريق أي وسيلة رقمية أخرى تتيحها التكنولوجيا الرقمية.
3) التصويت الإلكتروني:
قد يبدو لافتا أن يكون الحزب الاشتراكي الموحد، من ضمن الأحزاب التي نشرت مذكراتها بشأن تنظيم الانتخابات التي جرى اقتراعها يوم 23 شتنبر، هو الحزب الوحيد الذي ترافع من أجل التصويت الإلكتروني في هذا الاقتراع. فقد دعا في مذكرته المنشورة في غشت 2025، إلى « اعتماد التصويت عن بُعْد عبر منصة آمنة تتيح للمواطنين، خاصة المغاربة المقيمين بالخارج، المشاركة في الانتخابات دون عوائق لوجستية. إن تعميم هذا الإجراء من شأنه رفع نسبة المشاركة بشكل ملموس، وتكريس المساواة بين جميع المواطنين في ممارسة حقهم الدستوري أينما كانوا » .
إن التصويت الإلكتروني في الاستحقاقات الانتخابية العامة، لهو من أرقى الأدوات الكفيلة بتجويد تنظيم هذه الاستحقاقات وتقوية نسبة المشاركة فيها، ولعل التجربة المقارنة بالرغم من محدوديتها ناطقة بذلك، لكن لا يمكن الغفلة عن الشروط والمدخلات التي يتعين تعبئتها لإنجاح رهان التصويت الإلكتروني.
إن بلادنا ليست مستعدة بَعْدُ لخوض هذه التجربة، ولا يمكن ذلك إلا بمخطط يحدد الإجراءات والمسؤوليات والآفاق الزمنية، ويتأسس على قواعد منهجية تراعي طبيعة الانتقال من نظام التصويت الحالي إلى النظام الإلكتروني المأمول، وقبل ذلك كله يستحضر ذلك المخطط المقومات الأساسة التي لا تستقيم أي مقاربة بدونها، ومن أهمها وعلى رأسها تعزيز الثقة. وبعد ذلك يوجد في التجربة المقارنة رغم محدوديتها ما يمكن أن يلهم السياق الوطني.
وفيما يتعلق بالتجربة المقارنة، يبقى للنموذج الإستوني الريادة العالمية، حيث تعتبر إستونيا أول دولة في العالم تعتمد نظام التصويت الإلكتروني. وقد خضع هذا النظام لمسار تطوري تاريخي امتد لربع قرن، انطلق سنة 2001 بالتفكير في اعتماد التصويت عبر الإنترنت، وتُوِّج سنة 2002 بإقرار البرلمان الإستوني الأساس التشريعي لذلك النظام، وفي سنة 2003 أُطلِق مشروع لتطوير النظام الإلكتروني، وأُنجزت الدراسات التقنية والأمنية اللازمة، لتشهد سنة 2005 الجاهزية الفعلية للنظام، حيث اعتمد لأول مرة خلال الانتخابات المحلية في أكتوبر من هذه السنة، وبلغت نسبة المصوتين إلكترونياً نحو %1.9. وسوف يتواصل تعزيز هذا النظام بالانتقال إلى مرحلة التعميم خلال فترة 2007-2011، حيث شهدت سنة 2007 اعتماد التصويت عبر الإنترنت لأول مرة في الانتخابات التشريعية للبرلمان الإستوني، مما شكل سابقة عالمية. وفي سنة 2009 سيتم توسيع النظام ليشمل الانتخابات الأوروبية والانتخابات المحلية، قبل استعمال التصويت الإلكتروني مجددا سنة 2011 في الانتخابات التشريعية، مع ارتفاع ملحوظ في عدد المصوتين إلكترونياً.
وتميزت مرحلة 2012-2015، بتطوير الضمانات الأمنية والشفافية والتحقق من صحة التصويت، بحيث أُحدِثت سنة 2012 لجنة متخصصة في التصويت الإلكتروني، وتم سنة 2013 إدخال آلية تجريبية تسمح للناخب بالتحقق، باستعمال جهاز ذكي، وتم في سنة 2014 الاستمرار في اعتماد التصويت الإلكتروني في انتخابات البرلمان الأوروبي، وفي الانتخابات التشريعية سنة 2015.
وقد شهدت المراحل اللاحقة منذ سنة 2016 تطورا تراكميا لنظام التصويت الإلكتروني في الانتخابات المحلية والتشريعية والأوروبية، وتعزز هذا التطور بتسجيل نسبة تصويت إلكتروني بلغت 51.1% في الانتخابات التشريعية التي شهدتها البلاد سنة 2023، متجاوزة نسبة 50%، بعد أن كانت النسبة 30.5% في الانتخابات التشريعية لسنة 2015، ونسبة 31.7% في الانتخابات المحلية لسنة 2017، و43.8% في الانتخابات التشريعية لسنة 2019، و46.7% في الانتخابات الأوروبية لنفس السنة .
ونسوق نموذجا ثانيا للتجربة المقارنة، وهو انتخابات مجلس الدوما الروسي(الغرفة السفلى للبرلمان الاتحادي)، التي جرت خلال الفترة: 18- 20 شتنبر 2026. وقد شهدت هذه الانتخابات استخدام التصويت الإلكتروني عن بُعْد والتصويت الإلكتروني داخل مراكز الاقتراع في موسكو، إلى جانب الاقتراع الورقي، في إطار اختيارات تشريعية وتنظيمية محددة. وقد استخدِم التصويت الإلكتروني عن بُعد في 32 إقليماً روسياً، إضافة إلى منظومة موسكو الخاصة، وأفادت البيانات المنشورة بأن نحو 3.65 ملايين ناخب صوتوا عبر المنظومة الاتحادية من أصل 4.03 ملايين مسجلين للمشاركة فيها، فيما صوت نحو 3.45 ملايين عبر منظومة موسكو. لكن تجدر الإشارة إلى حدوث أعطال في بعض أنظمة التسجيل والتصويت في موسكو، كما أعلنت السلطات الروسية تعرض البنية الانتخابية لهجمات إلكترونية خلال أيام التصويت، وأعلنت السلطات الروسية في19 شتنبر 2026 تعرض أنظمة التصويت الإلكتروني والبنية الاتصالية لهجمات .
إن الانتقال إلى التصويت الإلكتروني في سياقنا الوطني، لهو حتمية تاريخية يتعين أن يستوعبها الفاعلون المؤسسيون من سلطات عمومية وأحزاب سياسية بالخصوص، وتتوفر لذلك الانتقال روافع عديدة من ضمنها الانتشار الواسع لتكنولوجيات المعلومات والاتصال في المجتمع، ودروس التجربة المقارنة، مما يتعين معه التداعي -كما سبقت الإشارة- إلى مقاربة هذا الورش عبر مخطط واضح ودقيق ومتدرج الإجراءات والتصور الزمني، ولعل الظرف المناسب لهذا التحول هو السياق الذي سيعقب الاستحقاقات الانتخابية التي سيشهدها المغرب السنة المقبلة 2027.
4) رقمنة عمليات التصويت والفرز وإحصاء الأصوات وإعلان النتائج:
يستدعي الانتقال إلى نظام التصويت الإلكتروني منهجية دقيقة تتأطر برؤية واضحة ينبثق عنهما مخطط دقيق، يحسُن أن يتبلور في أفق سنة كما سبقت الإشارة، لكن الاستمرار في إجراء عمليات الفرز وإحصاء الأصوات بطريقة مادية وورقية، دون توظيف الإمكان الإلكتروني يستدعي التوقف والملاحظة.
فباستثناء عملية نشر المعطيات المتعلقة بنتائج الاقتراعات، عبر بوابة الانتخابات(www.elections.ma)، بعد انتهاء لجان الإحصاء الإقليمية والجهوية من أعمالها وإيداع نظير من المحاضر لدى المحكمة الدستورية، وهي عملية ذات طبيعة إعلامية انتخابية ولا تعدو أن تكون من صميم التحول الرقمي للعملية الانتخابية يوم الاقتراع، فإن كل العمليات التي تجري يوم الاقتراع من تصويت وفرز للأصوات وإحصائها وإعلان للنتائج ما تزال تتم بالطريقة التقليدية المألوفة.
واستحضارا للمذكرات المنشورة للأحزاب السياسية، فإن حزب التقدم والاشتراكية كان الحزب الوحيد الذي ترافع من أجل رقمنة كل العمليات التي تشهدها مكاتب التصويت، داعيا إلى « رقمنة المسار الانتخابي إلكترونيا (من التسجيل إلى الفرز وإعلان النتائج(، وخاصة في مكاتب التصويت، بهدف تعزيز النزاهة والسرعة في النتائج وإتاحتها للعموم فورا مكتبا مكتبًا، والحد من الأخطاء البشرية أو التلاعب » . وفي مقام ثان دعت مذكرة حزب العدالة والتنمية إلى « الإعلان والنشر الفوري والسريع والشفاف لنتائج الانتخابات بما توفره البنية التقنية والمعلوماتية من إمكانات لتحقيق ذلك بدون تأخر، لتجنب أي تأخر مريب قد يطعن في شفافية العملية الانتخابية »، و »تسليم الأحزاب السياسية رسميا النتائج النهائية للانتخابات، على حامل ورقي وإلكتروني في صيغة » word » أو « excel » .
وقبل الخوض في الاستحقاقات الرقمية لمكاتب التصويت، يتعين ابتداء التذكير بأن عدد مكاتب التصويت، بلغ برسم اقتراع 23 شتنبر، 40694 مكتبا فرعيا و3931 مكتبا مركزيا ، وقد مثَّل العدد المرتفع للمكاتب الفرعية مصدر معاناة متواصلة للأحزاب السياسية عبرت عنها في مذكراتها الترافعية، ومن أوجه تلك المعاناة عجزها عن تغطية كل المكاتب الفرعية بمراقبين وفارزين يشهدون سير العملية الانتخابية ويشهدون عملية التصويت والفرز وإحصاء الأصوات. وفي المحصلة، تتم هذه العملية في العديد من مكاتب التصويت الفرعية في غياب ممثلي الأحزاب السياسية، بصرف النظر عن كون القانون ضمن لها الحصول على نسخ من محاضر الفرز وإحصاء النتائج.
قد يكون في دعوة بعض الأحزاب السياسية إلى تقليص عدد مكاتب التصويت الفرعية، بعض الحل للإشكال القائم، لكن ليست هي كل الحل. إن بمقدور بلادنا إرساء نظام رقمي لإدارة مكاتب التصويت الفرعية والمركزية، يتأسس على قاعدة الشفافية، ويقوم على تعبئة برنامج معلوماتي لرقمنة عمليات التصويت وعمليات الفرز وعمليات إحصاء الأصوات وعمليات إعلان النتائج، ويكون بمقدور الأحزاب السياسية أن تتابع كل تلك العمليات أولا بأول بدءً بعملية التصويت، وفق ضوابط وشروط وشكليات يحددها القانون، كما يخوِّلُ لها الولوجُ إلى تلك المنظومة المعلوماتية تحميلَ محاضر الفرز وإحصاء الأصوات وإعلان النتائج، وتكون لتلك المحاضر حجيتها القانونية.
من جهة أخرى، ولدعم هذا الاختيار الجالب للعديد من المصالح المعتبرة، يتعين العمل على التسجيل السمعي البصري لوقائع الفرز وإحصاء الأصوات وإعلان النتائج، ويكون متاحا للأحزاب السياسة متابعة ذلك التسجيل عن بُعْد، إلى جانب ممثليها في مكاتب التصويت، كما يتعين إتاحة تلك التسجيلات للأحزاب السياسية فور انتهاء كل العمليات بتلك المكاتب.
ومن التجارب العالمية التي يمكن أن تلهم بلادنا، في هذا الإطار، التجربة الهندية والتجربة الكينية. فالهند تعتمد آلية التسجيل بالفيديو لعمليات الإحصاء وتجميع النتائج وإعلانها وتسليم شواهد الانتخاب للفائزين ، أما كينيا فتتيح النتائج للجمهور فور إعلانها بمراكز التصويت، وذلك عبر آلية البث السمعي البصري المباشر .
إن الاختيار المتعلق برقمنة مكاتب التصويت ولجان الفرز، بدءً بعملية التصويت وانتهاءً بالعمليات التي تباشرها لجان الإحصاء، ليستدعي تدخلا تشريعيا ينص على اعتماد نظام معلوماتي مؤمًّن يتيح تلك الرقمنة، كما ينص على أن تخضع عمليات فرز الأصوات وإحصائها وتجميع نتائجها وإعلانها، على مستوى مكاتب التصويت الفرعية والمكاتب المركزية ولجان الإحصاء، للتسجيل السمعي البصري، وفق الكيفيات والشروط المحددة بنص تنظيمي، دون الإخلال بمبدأ سرية التصويت، على أن تحفظ التسجيلات في نظام معلوماتي مؤمن، مع ضمان سلامتها وعدم تغيير محتواها، وتحدد شروط الاطلاع عليها واستخراج نسخ منها والاحتفاظ بها، وكذا الجهات المخول لها ذلك. ويمكن للمحكمة المختصة، كلما اقتضى الأمر، أن تأمر بالاطلاع على التسجيلات أو تقديم نسخ منها، ولا يحول التسجيل دون اعتماد المحاضر الانتخابية الرسمية وفق الشروط والشكليات المقررة قانوناً.
إن رقمنة عمليات التصويت وفرز الأصوات وإحصائها وإعلان النتائج، تستدعي استثمارا لوجيسيتا وفنيا معتبرا، وهو استثمار مبرر وناجع ماليا، فضلا عن عائده اللامادي بصيانة الثقة وتعبئة المشاركة وتعزيز الاختيار الديمقراطي، باعتباره ثابتا من ثوابت المملكة.
خاتمة:
استعرض هذا البحث على مدار محوريه الرئيسين، قضايا متعلقة برقمنة تدبير الترشيحات والحملات الانتخابية، ورقمنة تدبير يوم الاقتراع، بخصوص الاستحقاقات الانتخابية العامة. وخلص البحث إلى التوصية بمراجعة النظام الهجين القائم على المسطرة الإلكترونية والمسطرة المادية الحضورية، الذي يحكم عملية التصريح بحسابات الحملات الانتخابية لدى المجلس الأعلى للحسابات، ومسطرة الترشيح للانتخابات.
وفيما يخص التصويت الإلكتروني، فإن إرساء هذا النظام يستدعي مقاربة منهجية ومتدرجة، يتبلور عنها مخطط وطني محدد الإجراءات والمسؤوليات والآفاق الزمنية بدقة. أما إدارة العمليات التي تشهدها مكاتب التصويت يوم الاقتراع ولجان الإحصاء، فإن رهان المرحلة المقبلة أن يتم الانتقال الواعي إلى إرساء نظام رقمي لإدارة مكاتب التصويت الفرعية والمركزية، يمكِّن من رقمنة عمليات التصويت وعمليات الفرز وعمليات إحصاء الأصوات وعمليات إعلان النتائج، ويكون بمقدور الأحزاب السياسية تتبع كل تلك العمليات أولا بأول بدءً بعملية التصويت، وفق ضوابط وشروط وشكليات يحددها القانون، كما يخوِّلُ لها الولوجُ إلى ذلك النظام تحميلَ محاضر الفرز وإحصاء الأصوات وإعلان النتائج، وتكون لتلك المحاضر حجيتها القانونية.
من جهة أخرى، يتعين العمل على التسجيل السمعي البصري لوقائع الفرز وإحصاء الأصوات وإعلان النتائج، ويكون متاحا للأحزاب السياسة متابعة ذلك التسجيل عن بُعْد، إلى جانب ممثليها في مكاتب التصويت، كما يتعين إتاحة تلك التسجيلات للأحزاب السياسية فور انتهاء كل العمليات بتلك المكاتب.
وقد تكون مناسبة انتخابات مجلس المستشارين والمأجورين، المرتقبة السنة المقبلة 2027، مناسبة لاختبار الانتقال إلى النظام الرقمي في التصويت والفرز وإحصاء الأصوات وإعلان النتائج، بالنظر لخصوصية الفئات الناخبة لذلك الاستحقاقين، مع اعتبار مصلحة ذلك الانتقال بالمزاوجة بين النظام الرقمي والنظام المادي المعمول به حاليا.
بقيت الإشارة في معرض هذه الخاتمة، إلى ضرورة تعزيز رقمنة مسار التدبير الانتخابي، برقمنة إجراءات الطعون لدى المحاكم المختصة، بتوازي مع المسطرة المادية المعتمدة الآن، في أفق التحول الرقمي النهائي للمنظومة.
إن الأفق الذي ترسمه هذه التصورات، تقتضي تعبئة مؤسسية وطنية، تستفيد من التراكم الذي أنجزته بلادنا في مجال التحول الرقمي العمومي، ومن دروس التجربة المقارنة، ويكون من مشمولات تلك التعبئة التأهيل الشامل للمنظومة الرقمية الوطنية على مستوى القانون والبنية التحتية، وعلى المستوى المؤسسي(الإدارة العمومية والأحزاب السياسية والنقابات والغرف المهنية والجمعيات)، إلى جانب عموم المواطنين.
إن مما قد يعاب على البرامج الانتخابية للأحزاب السياسية، بالرغم من غناها المضموني، وبخلاف مذكراتها السياسية بشأن تنظيم انتخابات 23 شتنبر 2026، هو خُلُوُّها من أي إجراءات تروم الترافع من أجل تطوير الإطار التشريعي والتنظيمي للاستحقاقات الانتخابية التي ستقْبِلُ عليها بلادنا ابتداء من سنة 2027، وهو نفس المأخذ على البرنامج الحكومي للولاية الحالية 2026-2031، وهو البرنامج الذي كان يفترض أن يكون حاملا لرؤية الأغلبية بشأن إصلاح النظام الانتخابي، من مدخل تعزيز الرافعة الرقمية.
ومهما يكن، فإن الحاجة والسياق يفرضان التداعي لتقييم شامل للمنظومة الانتخابية التي جرى وفقها اقتراع 23 شتنبر، بمساهمة كل الفاعلين المعنيين، والتأسيس على ذلك التقييم لإنتاج تصور تجديدي يحكم قابل الاستحقاقات، وقد تكون فرصة تقديم الأحزاب السياسية لمذكراتها بشأن تنظيم انتخابات 2027 مناسبة لذلك، على أن يتعزز ذلك بمبادرات أخرى للسلطتين التنفيذية والتشريعية والمؤسسات الدستورية الأخرى المعنية والأحزاب السياسية والنقابات والنسيج المدني والأوساط الأكاديمية.
المراجع
الوثائق والتقارير الرسمية:
1. الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، مذكرة حول إصلاح المنظومة العامة المؤطرة لانتخابات أعضاء مجلس النواب لسنة 2026، د.ت؛
2. الحزب الاشتراكي الموحد، مذكرة الحزب الاشتراكي الموحد حول الإطار القانوني للانتخابات التشريعية، غشت 2025؛
3. حزب التقدم والاشتراكية، مذكرة حزب التقدم والاشتراكية حول إصلاح المنظومة العامة لانتخابات مجلس النواب لسنة 2026، 28/08/2025؛
4. حزب العدالة والتنمية، مذكرة حزب العدالة والتنمية في إطار المشاورات السياسية للإعداد للانتخابات التشريعية لسنة 2026، د.ت؛
5. المجلس الأعلى للحسابات، بلاغ(وضع المجلس رهن إشارة المعنيين بالأمر منصة رقمية قصد إيداع حساباتهم)، 21/10/2021؛
6. المجلس الأعلى للحسابات، بلاغ(وضع المجلس رهن إشارة المعنيين بالأمر منصة رقمية تتيح إيداع حسابات الحملات الانتخابية إلكترونيا)، 26/10/2026؛
القانون:
1. قانون 88.14 يتعلق بالمراجعة الاستثنائية للوائح الانتخابية العامة، ج.ر عدد 6316، 11/12/2014؛
2. قانون تنظيمي رقم 27.11 يتعلق بمجلس النواب، ج.ر عدد 5987، 17/10/2011؛
1. قانون تنظيمي رقم 53.25 القاضي بتغيير وتتميم القانون التنظيمي رقم 27.11 المتعلق بمجلس النواب، ج.ر عدد 7478، 29/01/2026؛
3. قرار لوزير الداخلية رقم 4516.14 يتعلق بالموقع الإلكتروني الخاص باللوائح الانتخابية العامة، ج.ر عدد 6318 مكرر، 19/12/2014؛
2. قرار لوزير الداخلية رقم 503.26 يتعلق بالموقع الإلكتروني الخاص باللوائح الانتخابية العامة، ج.ر عدد 7491، 16/03/2026؛
4. مرسوم رقم 2.22.431 يتعلق بالصفقات العمومية، ج.ر عدد 7176، 09/03/2023؛
5. مرسوم رقم 2.26.301 المغير والمتمم للمرسوم 2.16.667 الخاص بتحديد الآجال والشكليات المتعلقة باستعمال مساهمة الدولة في تمويل الحملات الانتخابية التي تقوم بها الأحزاب السياسية المشاركة في الانتخابات العامة لانتخاب أعضاء مجلس النواب، ج.ر عدد 7502، 23/04/2026؛
المراجع الإلكترونية
1. affidavit.eci.gov.in/?utm_source=chatgpt.com
2. data.ipu.org/fr/parliament/RU/RU-LC01/elections/electoral-system/
3. libraryir.parliament.go.ke/items/50d03e03-4d57-4fd6-8b05-b8f0885f7484
4. maroc.ma/ar/%D8%A7%D9%84%D8%A3%D8%AE%D8%A8%D8%A7%D8%B1/%D8%A7%D9%84%D8%A7%D9%86%D8%AA%D8%AE%D8%A7%D8%A8%D8%A7%D8%AA-%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%B4%D8%B1%D9%8A%D8%B9%D9%8A%D8%A9-%D8%AD%D8%B2%D8%A8-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D8%B5%D8%A7%D9%84%D8%A9-%D9%88%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B9%D8%A7%D8%B5%D8%B1%D8%A9-%D9%8A%D8%AA%D8%B5%D8%AF%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D9%86%D8%AA%D8%A7%D8%A6%D8%AC-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%A4%D9%82%D8%AA%D8%A9-%D8%A8-97-%D9%85%D9%82%D8%B9%D8%AF%D8%A7
5. ria.ee/en/state-information-system/development-election-information-systems?utm_source=chatgpt.com
6. snrtnews.com/ar/article/161305
7. suvidha.eci.gov.in/?utm_source=chatgpt.com
8. www.india.gov.in/spotlight/details/general-election-results-2024
9. www.valimised.ee/en/archive/statistics-about-internet-voting-estonia
10. www.valimised.ee/en/internet-voting/more-about-i-voting/introduction-i-voting
مشاهدة أي أفق لتعزيز رقمنة الاستحقاقات الانتخابية العامة بالمغرب
يذكر بـأن الموضوع التابع لـ أي أفق لتعزيز رقمنة الاستحقاقات الانتخابية العامة بالمغرب قد تم نشرة ومتواجد على قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد على اليوم 24 ( المغرب ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.
التفاصيل من المصدر - اضغط هنا :::
وختاما نتمنى ان نكون قد قدمنا لكم من موقع Pressbee تفاصيل ومعلومات، أي أفق لتعزيز رقمنة الاستحقاقات الانتخابية العامة بالمغرب؟.
في الموقع ايضا :
- الانتخابات النصفية الأمريكية: ترامب يربط خسائر الجمهوريين بحرب إيران ويبدي استعداده للتعاون مع الديمقراطيين
- “بصمة المشي”… وسيلة أمان مستقبلية تعتمد على الذكاء الاصطناعي ومستشعرات الهواتف للتحقق من هوية المستخدمين
- عاجل: يديعوت احرونوت: ضربة كبيرة لترامب، الديمقراطيين ضمنوا الاغلبية في مجلس النواب ويقتربون منها في مجلس الشيوخ