في الأسبوع الأول من شهر نوفمبر 1987، كانت البلاد تغلي على مرجل، فيما كان بروتوس ( زين العابدين بن علي)، يعدّ العدّة للإجهاز على «الأب المؤسس» الحبيب بورقيبة وإنهاء حكمه. فقد بلغته، عن طريق سعيدة ساسي، ابنة أخت بورقيبة، التي قرّبها منه وجعل منها عيناً على القصر وما يدور في أروقته، معلومات مفادها أن الرئيس قرر إزاحته من القصبة وتعيين محمد الصياح خلفاً له. وكانت سعيدة، وفق ما تردد عن تلك المرحلة، تحظى بنفوذ لافت، حتى إنها كانت تقضي يوماً كاملاً في مكتب بن علي بوزارة الداخلية، تتابع ما يجري وتنقل إليه أخبار القصر.
إبراهيم الوسلاتي
أمام هذا التطور، بدأ بن علي التحرك لتدارس كيفية تنحية بورقيبة والاستيلاء على السلطة. ولهذه الغاية، جمع حوله عدداً من أقرب المقربين إليه: صديقه كمال اللطيف، ووزيره في الحكومة الهادي البكوش، وقائد الحرس الوطني الجنرال الحبيب عمّار، الذي كان زميله في الدفعة نفسها سنة 1956، فضلاً عن صديقه القديم محمد شكري. وكان الهدف بحث السيناريوهات الممكنة والإعداد للخطة التي ستنتهي بإزاحة الرئيس وتولي بن علي مقاليد الحكم.
ومن بين الشهادات التي أعادت فتح ملف تلك الأحداث، ما أدلى به الهادي البكوش خلال إحدى الجلسات التي نظمتها ودادية قدماء البرلمانيين في ديسمبر 2016، في إطار قراءة نقدية لسياسات الحكم في تونس خلال الفترة الممتدة من 1955 إلى 2010. وقد جُمعت مداولات هذه الجلسات في تقرير مهم من حيث محتواه، يمكن للمؤرخين والباحثين والدارسين الاستئناس بما ورد فيه من شهادات ومعطيات.
عدد من السيناريوهات لتنحية بورقيبة
ففي تلك الجلسة، كشف البكوش أن المجتمعين درسوا عدداً من السيناريوهات لتنحية بورقيبة، من بينها دسّ السم له في طعامه وإرسال الحبيب عمّار إلى روما لجلبه قبل أن يقع العدول عن الفكرة. وكان التصريح، لغرابته وخطورة ما تضمنه، بمثابة الصاعقة التي نزلت على الحاضرين، وسرعان ما انتشر في وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي، مثيراً موجة من التساؤلات حول حقيقة ما جرى في الكواليس قبل السابع من نوفمبر.
وأمام الجدل الذي أثارته هذه الشهادة، سارعت ودادية قدماء البرلمانيين إلى إصدار توضيح نفت فيه أن يكون البكوش قد تحدث عن وجود نية فعلية لتنفيذ عملية تسميم، معتبرة أن ما جرى كان مجرد استعراض لسيناريوهات افتراضية جرى تداولها في إطار البحث عن سبل إنهاء حكم بورقيبة. كما أن هذه الفرضية لم تورد في التقرير النهائي للجلسات، وهو ما يطرح بدوره تساؤلات حول أسباب استبعادها.
ولم يطل الصمت كثيراً حتى خرج الحبيب عمّار، الذي وضعته شهادة البكوش في قلب ما وصفه البعض بـ«المؤامرة»، بتصريح إعلامي كذّب فيه رواية التسميم. وأكد عمّار أنه كان أول من أطلق على بن علي لقب «سيدي الرئيس»، مضيفاً أن الرجلين اتفقا على وجود خطة بديلة، أو ما سُمّي بالخطة «ب»، تقضي بانتحارهما معاً في حال فشل عملية الانقلاب. كما شدد على أن أي دولة أجنبية لم تكن على علم بما كان يجري الإعداد له.
وفي شهادته نفسها، أفاد الهادي البكوش بأنه تقدم من جانبه بمقترح يقضي بتشكيل حكومة يرأسها هو، إلى جانب إحداث مجلس رئاسي يضم نحو سبعة جنرالات، يتولى إدارة شؤون البلاد لمدة ستة أشهر. غير أن هذا المقترح، وفق روايته، قوبل بالرفض من بن علي والحبيب عمّار على حد سواء.
تقارب كبير بين الثنائي الهادي البكوش وزين العابدين بن علي
ولعل ما يزيد هذه الروايات أهمية، ويمنحها بعداً آخر، ما أورده الدكتور عمر الشاذلي، الطبيب الخاص للرئيس بورقيبة، في كتابه «بورقيبة كما عرفته»، الصادر باللغة الفرنسية في فيفري 2011. فقد تحدث الشاذلي عن تقارب كبير، بما يعني une grande complicité، بين الثنائي tandem الهادي البكوش وزين العابدين بن علي، منذ الفترة التي كان فيها البكوش يشرف على إدارة الحزب، وقبل تعيينه على رأس وزارة الشؤون الاجتماعية، في حين كان بن علي يتولى وزارة الداخلية، قبل أن يصبح وزيراً أول.
وقد بدا للشاذلي، من خلال ملاحظاته، أن العلاقة بين الرجلين تجاوزت حدود التنسيق السياسي المعتاد، بما يوحي بوجود تفاهمات وتحركات مشتركة في اتجاه الإطاحة ببورقيبة. ويعيد هذا المعطى بدوره إلى الواجهة دور سعيدة ساسي، التي تحولت، بحسب هذه الرواية، إلى مصدر للمعلومات عن خالها وما كان يدور داخل القصر، مستفيدة من موقعها العائلي وقربها من الرئيس.
وهكذا، فإن الإطاحة ببورقيبة في السابع من نوفمبر 1987 لم تكن مجرد تغيير مفاجئ في هرم السلطة، بل كانت خاتمة مسار من الاتصالات والترتيبات والسيناريوهات التي ظلت بعض تفاصيلها محل جدل، حتى بعد مرور عقود على تلك الأحداث. وبين شهادة البكوش ونفي الحبيب عمّار وملاحظات الطبيب الخاص للرئيس، تبقى أسئلة كثيرة معلقة، لعل الوثائق والشهادات التاريخية وحدها كفيلة بكشف ما ظل خافياً من كواليس ذلك التحول.
ملاحظة: الهادي البكوش اتصل في 8 جانفي 2017 بجريدة الشروق لتوضيح المسألة وقال تقريبا بالحرف الواحد: “ساورته (بن علي) فكرة تسميمه (الرئيس بورقيبة) بمادة يأتي بها الحبيب عمار من إيطاليا ولكنه أقلع عنها وهي لا تتماشى مع حرصنا على عدم الإساءة إليه واهتدى إلى طريقة أسلم وأكثر تحضرا تتمثل في عزل قصر قرطاج.
المصدر: صفحة المؤلف على فيسبوك.
ظهرت المقالة نوفمبر 1987 : كواليس الإطاحة ببورقيبة وسيناريو التسميم الذي أثار الجدل أولاً على أنباء تونس.
مشاهدة نوفمبر 1987 كواليس الإطاحة ببورقيبة وسيناريو التسميم الذي أثار الجدل
يذكر بـأن الموضوع التابع لـ نوفمبر 1987 كواليس الإطاحة ببورقيبة وسيناريو التسميم الذي أثار الجدل قد تم نشرة ومتواجد على قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد على أنباء تونس ( تونس ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.
التفاصيل من المصدر - اضغط هنا :::
وختاما نتمنى ان نكون قد قدمنا لكم من موقع Pressbee تفاصيل ومعلومات، نوفمبر 1987 : كواليس الإطاحة ببورقيبة وسيناريو التسميم الذي أثار الجدل.
في الموقع ايضا :
- العراق يستنفر خشية حرب أمريكية إيرانية ويفوض قادة الجيش بمواجهة الفصائل المسلحة دون الرجوع لرئيس الوزراء
- وكالة فارس: انفجارات في جزيرة قشم ومدينة بندر خمير قد تكون مرتبطة بإطلاق طلقات تحذيرية باتجاه مضيق هرمز
- المكتب الإعلامي الدولي لقطر: الوسطاء القطريون على تنسيق وثيق مع الولايات المتحدة وإيران لدعم المفاوضات الجارية