منذ أن بدأ المشروع الصهيوني في محاولاته لخلق وطن قومي لليهود في فلسطين، واجه الفلسطينيون مخططات تهدفُ إلى حرمانهم من حقوقهم في الانتماء إلى الأرض. اتخذت هذه المحاولات والمخططات أشكالًا عديدة، منها الإشارات العامة إلى الأزمنة التوراتية، والعلاقة الروحية والتاريخية بين اليهود وأرض فلسطين، والتي بلغت ذروتها في قولهم «الله أعطانا هذه الأرض، لأنها ذكرت بالكتاب المقدس التوراتي».
عندها، جرى الترويج للمنطقة الواقعة بين نهر الأردن والبحر الأبيض المتوسط، بصفتها الأرض الموعودة لليهود، وأن القدسُ هي «أورشليم»، العاصمة الأبدية الموحدة للشعب اليهودي. أما الضفة الغربية فهي مدينتا «يهودا والسامرة»، وذلك بهدفِ إظهار الارتباط اليهودي بالأرض بشكلٍ أقوى بكثير من أي مجموعة عرقية أو إثنية أخرى، بما في ذلك الفلسطينيون أنفسهم، إذ إنه إذا كان هناك حق تاريخي لليهود في أرض فلسطين، فهم بذلك ووفق ما ورد في تقرير لصحيفة «ميدل إيست آي»، ينفون عن أنفسهم «صفة الاحتلال»؛ لأنهم ببساطة يعودون إلى وطنهم.
مهلًا، ما سبق مجرد الرواية التوراتية، التي يتبناها فريق علم الآثار التوراتي في سرد تاريخ فلسطين ومدينة القدس، لكن ما الذي يقوله علم الآثار المستقل عن مدينة «أورشليم»؟ وهل هي عبرانية أم كنعانية؟ ومتى كانت المدينة عاصمة للشعب اليهودي؟
من «البحث عن مملكة داوود» إلى طمس الهوية الفلسطينية
مع بداية المشروع الصهيوني، شرعت إسرائيل في عملية لشرعنة أحقيتها بالأرضِ التي احتلتها غصبًا، وذلك عن طريق إبراز التاريخ اليهودي لأرض فلسطين بطريقةٍ منهجية من ناحية، ومحاولة محو وطمس أية صلة للأرضِ بالسكان الآخرين. وعندما احتلت إسرائيل القدس الشرقية عام 1967، رفعت قوات الاحتلال العلم الإسرائيلي على المسجد الأقصى، وتحركوا بسرعة لهدم الحي المغربي بالقدس، وقد طالت عمليات الهدم عددًا من المساجد، من أجل تسهيل الطريق لوصول اليهود إلى الحائط الغربي الذي يشيرون إليه باسم «حائط المبكى»، وهو جدار يشكل قسمًا من الحائط الغربي للحرم المحيط بالمسجد الأقصى.
أوليفييه ليفر
وعلى الرغمِ من محاولات علمِ الآثار التوراتي المستميتة لـ«لي ذراع الاكتشافات الأثرية» كي تتطابق مع الرواية التوراتية للمدينة؛ فإن منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة «اليونسكو» عام 2016، أصدرت قرارًا يتجاهل الارتباط اليهودي بموقع قديم متنازع عليه بشدة في القدس – يقع هذا الموقع داخل حرم المسجد الأقصى بالقدس الشرقية الذي يعد من الأماكن المقدسة الإسلامية- وأشارت قرارات اليونسكو الأخيرة إلى الموقع في سياقه الإسلامي فقط، متجاهلة الارتباط الذي يدعيه اليهود بوصفه موقع المعبد القديم و«الهيكل المقدس».
قبل قرار اليونيسكو، كانت هيئة الآثار الإسرائيلية قد عثرت على ورقة بردي نادرة، باللغة العبرية القديمة، وقالوا إن تاريخها يعود إلى القرن السابع قبل الميلاد، وذكرت هيئة الآثار أن هذه البردية هي أول مصدر – باستثناء الكتاب المقدس- يأتي على ذكر القدس بالعبرية، في وقتٍ كانت فيه – وفق مزاعمهم- عاصمة مملكة يهوذا في فترة الهيكل الأول.
وبالعودة إلى الرواية التوراتية؛ فقد كانت كنعان هي المنطقة التي أنهى فيها اليهود خروجهم، حيث أمَّن داوود لشعبه مملكة قبل ألف عام من ميلاد المسيح، ورثها عنه فيما بعد ابنه سليمان؛ فحكما وفقًا للرواية التوراتية مملكة واسعة امتدت حتى أقصى الشمال إلى نهر الفرات، وامتدت جنوبًا إلى صحراء النقب الفلسطينية.
في الصراع الطويل الذي دخله علماء الآثار التوراتيون بحثًا عن دليل تاريخي يمكن ربطه بأحداث الكتاب المقدس كان الملك داوود بالنسبة إليهم شخصية محورية، فالسجل الأثري خال من أي أثرٍ يمكن ربطه بقصة إبراهيم أو إسحاق أو يعقوب، أو حتى موسى، الذي ليس هناك دليل يمكن ربطه أثريًّا بالمكان. إلى أن تغير الوضع عام 1993، عندما أعلن عالم آثار إسرائيلي العثور على قطعة من صخور البازلت على الحدود السورية حيث يعمل، وقد نقش عليها باللغةِ الآرامية «بيت داوود».
عندها لم يعد الملك داوود مجرد شخصية توراتية فقط، بل أصبح الشخصية التوراتية الوحيدة التي يمكن إثبات وجودها وفقًا لعالم الآثار الإسرائيلي إسرائيل فنكلشتاين؛ ومن هنا انطلق من علماء الآثار التوراتيين للبحث عن «مُلك داوود المفقود» داخل مدينة القدس القديمة، وفق ما جاء في صحيفة «ذا نيويوركر».
Embed from Getty Images
(موقع المسجد الأقصى)
شرعت إسرائيل في مشروع أثري كبير في هذه المنطقة الحساسة وفي مناطق أخرى، محاولة إيجاد أدلة تثبت وجود يهود على الأرض فترة خروجهم من مصر، وتحديدًا أدلة على وجود المعابد اليهودية الخاصة بالمملكة الأولى (مُلك داوود) والثانية (فترة حكم سليمان) في موقع المسجد الأقصى. وهو الأمر الذي من أجله قاموا بالحفرِ تحت المسجد وحوله، منذ احتلال القدس الشرقية، للتدليل بهذه الآثار على أحقيتهم في أرضِ فلسطين التاريخية.
مخططات الحفر التي يتبناها الإسرائيليون، إبان بحثهم المضني عن أي «أثر» لـ«مُلك داوود»، تثير مخاوف كبيرة بشأن تأثيرها في أساسات المسجد الأقصى، ما قد يتسبب مستقبلًا في انهياره. جدير بالذكر أن أعمال التنقيب التي قامت بها سلطة الآثار الإسرائيلية في الموقع، قد تسببت في تهديد سلامة المنازل في حي سلوان الفلسطيني بالقدس، والذي يقع على الحدود الجنوبية للمسجد الأقصى!
التنقيب «مهمة عسكرية».. ولا صحة لتكهنات إسرائيل بخصوص «مُلك داوود»
بدأت عمليات التنقيب الإسرائيلية عام 1955 بقيادة إيغال يادين، رئيس الأركان الإسرائيلي، الذي جهز لبعثة تنقيب أثرية ضخمة في مدينة حاصور الكنعانية القديمة، وهي المدينة التي من المفترض أن دمرها النبي يشوع أثناء غزو كنعان، كما ذكر في التوراة، ثم أعاد النبي سليمان بناءها وتحصينها.
في ذلك الوقت عد يادين التنقيب والحفر «عملية عسكرية»، وكان كل ما اكتشفه رجاله هو بوابة مؤلفة من ست غرف مصنوعة من الحجارة، مطابقة لبوابة أخرى اكتشفها يادين في مدينة مجدو الكنعانية شمالي فلسطين، والتي يُعتقد أن سليمان بناها، وعليه نسجت بعثات إيغال الأثرية أحلامًا كبيرة بقرب العثور على دليل مادي ملموس، لكن سرعان ما انهارت كل هذه الأحلام، وثبت عدم صحتها.
فوفق ما ذكرته «ذا نيويوركر»، فإن كل ما حاول علماء الآثار حينها إثباته، عُرف فيما بعد أنه مجرد قصص وتكهنات! الأمر الذي استدعى من عالم الآثار الإسرائيلي الشهير إسرائيل فنكلشتاين، أن يتساءل عن محيط مملكة إسرائيل القديمة تلك، ومجراها، وأحداث الفترة التاريخية التي من المفترض أن تكون وقعت فيها.
الاحتلال الإسرائيلي
منذ أسبوع «خدش ذاكرة البلاد».. هكذا تحاول إسرائيل تغيير المناهج الفلسطينيةبحث فنكلشتاين عن طبيعة مدينة القدس في الفترة الزمنية التقريبية لزمن داوود، خلال القرن العاشر قبل الميلاد؛ لكن حينها كانت القدس مجرد قرية صغيرة جدًّا، وكانت الإمبراطورية المصرية قد انحسرت بسبب الجفاف، ولذلك من الصعب ظهور إمبراطورية جديدة فجأة على مسرح الأحداث، وذلك وفقًا لشهادة عالم الآثار الإسرائيلي ذاته، خاصةً وأن الإمبراطورية تحتاج إلى عاصمة وتحتاج إلى نظام إداري وسجل وكتبة، ووفقًا لفنكلشتاين: «لا يوجد أي نشاط إداري أو كتابي مُسجل، فأين الإمبراطورية؟».
دحض فنكلشتاين في ورقة علمية نُشرت عام 1996 «عظمة» مملكة إسرائيل التي تحدثت عنها بعثات إيغل يادين التنقيبية، بل ذهب إلى أبعد من ذلك، عندما قال إن بني إسرائيل لم يكونوا سوى مجموعة من سكان الجبال، عاشوا في منطقة صغيرة من مدينة القدس (أورشليم)، وأن داوود لا يعدو أكثر من شيخ قبيلة بين كثيرٍ من القبائل!
وفقًا لفنكلشتاين، فإن مدينة أورشليم يمكن ألا تكون مدينة داوود على الإطلاق؛ إذ يقول: «عندما أنظر إلى الآثار، أرى مبنى بيزنطيًّا، وفيلا رومانية، وأرى منازل من فترة الهيكل الثاني، لكن ما لا أراه حقًّا هو دليل على وجود قصر أو معبد أو جدار محصن أو نقش أو فخار كبير – أي شيء على الإطلاق- من أوائل العصر الحديدي»، وهي الفترة التي بدأت في القرن العاشر قبل الميلاد، ومن المفترض أن تحمل آثارها بقايا تاريخ بناء الهيكل الأول!
في الوقت ذاته، وعلى طول شواطئ غزة المتواضعة، دفنت العديد من المواقع الأثرية غير العادية التي يعود تاريخها للعصر الحديدي تحت الأنقاض، بعدما دمرتها القنابل الإسرائيلية. وقد كشف تحقيق أجرته مجموعة «Forensic Architecture» البحثية التابعة لجامعة لندن، كيف تعمدت إسرائيل استهداف المواقع الأثرية في قطاع غزة المحاصر في هجوم صارخ على التراث الثقافي الفلسطيني من خلال حملات قصف ممنهجة، فطمست نافورة من العصر الروماني وسورًا من العصر الحديدي، حتى إن المجموعة البحثية، حاولت جمع مجموعة واسعة من الأدلة لرسم خريطة لهذه المواقع وإعادة بنائها، في محاولة لمكافحة المحو الثقافي.
ومما سبق، يتضح أن محو التراث غير اليهودي، أمر لا يقل أهمية عن البحث والتنقيب على أدلة لمملكة داوود المفقودة بالنسبة للنظام الإسرائيلي؛ وذلك اعتبار المحو جزءًا من المشروع الاستعماري الاستيطاني الصهيوني، يجعل من ملكية تاريخ هذه الأرض حصريًّا لليهود، وذلك وفقًا لتحقيق مجموعة «Forensic Architecture» البحثية.
في البدء كانت «أورشليم» كنعانية
«سيرة حقيقية للقدس» بهذه الجملة بدأ الدكتور خزعل الماجدي الطبعة الثانية من كتابه «تاريخ القدس القديم»، مُشيرًا إلى أنه استبعد في بحثه وهو المتخصص في علم وتاريخ الأديان والحضارات القديمة، كل المؤثرات الدينية التوراتية التي تعمل على التحكم في مجرى الأحداث وتوجيهها؛ وذلك بالاعتماد فقط على مصادر علم الآثار الأصلي المستقل.
وفقًا للماجدي، جاءت هوية مدينة القدس الأولى «أمورية» بامتياز، فقد بنيت المدينة في العصر البرونزي المبكر تقريبًا عام 3200 قبل الميلاد، وقد أشارت القطع الخزفية والألواح المستخرجة من تل مرديخ (إبلا) إلى ورود اسم (أورسليم) -اسمًا أول للمدينة- منتصف العصر البرونزي المبكر تقريبًا؛ رغم ذلك لا نستطيع أن تقرر على وجه الدقة ما إذا كانت القدس هي المعنية بذلك.
كانت الدلائل الأثرية عن مدينة القدس الأولى تشير إلى أنها ظهرت في بداية العصر البرونزي المبكر بوصفها مدينة صغيرة جدًّا قرب نبع عين جيحون، وقد شهدت المدينة استيطانًا بشريًّا ونشاطًا زراعيًّا، كما مارست طقوس الدفن؛ وهي المدينة التي شهدت في نهاية العصر البرونزي موجة جفاف قاسية توقف معها النشاط الزراعي، وتناقص السكان، وازدادت هجرات الساميين من فلسطين إلى الأردن وجزيرة العرب، وهي المنطقة التي سكنها الكنعانيون في أواخر العصر البرونزي بوصفها منطقة شبه مهجورة.
في العصر البرونزي الأوسط، بنيت مدينة القدس الثانية، على مرتفع أوفل؛ وقد اعتاد المؤرخون على الإشارة إليها باسم «يبوس» أو «القدس اليبوسية»؛ رغم ذلك يشير خزعل الماجدي إلى أن مدينة القدس الثانية يمكن الإشارة إليها باسم «القدس الكنعانية»، وذلك لأن من بناها، وفقًا له، هم عموم الكنعانيين؛ أما القدس اليبوسية، فيمكن عدها مدينة القدس الثالثة التي بنيت على أنقاض دمار العصر البرونزي الوسيط، وذلك بعدما تولت قبيلة (يبوس الكنعانية) إعادة بناء المدينة.
أما عن قدس العصر البرونزي الوسيط الكنعانية، فيقول عنه الماجدي إننا يمكن أن نطلق عليها اسم «أورو سالم» والتي تعني مدينة الإله سالم، والذي يعد إله المدينة وحاميها؛ إذ كان لكل مدينة كنعانية في ذلك الوقت إله حامٍ لها يختلف عن الآلهة الكبرى التي يشترك في عبادتها كل الكنعانيين. وكانت المدن الكنعانية قديمًا تشتق اسمها من اسم إلههم الحامي.
Embed from Getty Images
(مدينة القدس العتيقة)
تعود الصخرة المقدسة لبيت المقدس والتي بنى فوقها الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان «قبة الصخرة»، إلى العصر البرونزي الوسيط؛ وكانت مقدسة عند الكنعانيين بصفة عامة، وفقًا لخزعل الماجدي، ومن بعدهم عند اليبوسيين، الذين كانوا يقدمون القرابين والأضاحي عندها؛ وذلك على الرغم من أن الصخرة كانت تقع خارج أسوار مدينة القدس الكنعانية على جبل موريا؛ لكنها ظلت مقدسة لدى ...
مشاهدة laquo أورشيلم المفقودة raquo لماذا يعجز علم الآثار التوراتي عن إثبات أحقية
يذكر بـأن الموضوع التابع لـ أورشيلم المفقودة لماذا يعجز علم الآثار التوراتي عن إثبات أحقية اليهود في القدس قد تم نشرة ومتواجد على قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد على ساسة بوست ( الأردن ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.
التفاصيل من المصدر - اضغط هنا :::
وختاما نتمنى ان نكون قد قدمنا لكم من موقع Pressbee تفاصيل ومعلومات، «أورشيلم المفقودة»: لماذا يعجز علم الآثار التوراتي عن إثبات أحقية اليهود في القدس؟.
في الموقع ايضا :