عادل صوما
كان اللواء محمد نجيب قائد حركة الضباط الأحرار سنة 1952، وقد اُختير ليكون ظاهرياً واجهة للانقلاب المزمع أن ينفذوه، لسمعته الممتازة داخل الجيش، التي سببت انضمام الكثير من ضباط الجيش للضباط الأحرار، لكن بعد نجاح الانقلاب الذي أطلق عليه طه حسين "ثورة"، انقلب جمال عبد الناصر سنة 1954 على اللواء نجيب أول رئيس لمصر، وحكم البلد حتى وفاته سنة 1970 واستمد شرعية حكمه من "الثورة على الطغيان" كما ورد في كتب التاريخ.
المبادئ التي أعلنها قادة الانقلاب على حكم أسرة محمد علي كانت: القضاء على الإقطاع، والقضاء على الاستعمار، والقضاء على سيطرة رأس المال على الحكم، وإقامة جيش وطني قوي، وإقامة عدالة اجتماعية، وإقامة حياة ديموقراطية سليمة.
لكن حسب كل الوقائع والأدلة كان هناك خمسة مبادئ غير معلنة، ربما حتى لمحمد نجيب، هي القضاء على التعددية في مصر، وتهجير الجاليات المتمصرة، وتهميش دور مسيحيي مصر في المجتمع، وأنهاء دور مؤسسات المجتمع المدني والقطاع الخاص ذي المؤسسات الضخمة.
خطأ تاريخي
هناك خطأ تاريخي حين يُقال أن الثورات الإسلامية في القرن العشرين بدأت بالخوميني، فالوقائع تقول انها بدأت بانقلاب يوليو 1952 أولا، ثم ترسخت بانقلاب وزير الداخلية (آنذاك) عبد الناصر على الرئيس محمد نجيب بمباركة خارجية. محمد نجيب الذي طمأن فئات وجاليات الشعب المصري كافة بحيادية الانقلاب العسكري تجاه كل عناصر المجتمع بمن فيهم الاجانب المتمصرين، كما قال حرفيا: "أما الاجانب في مصر.. استغفر الله.. الاخوة الاجانب فهم جزء من البلد ده".
وردت هذه العبارة في كلمة مقتضبة في حفل بالنادي السوري* في الاسكندرية على شرف الرئيس نجيب، وكان أعضاؤه نخبة المجتمع من المصريين والمتمصرين، خصوصاً الإسكندريين، سواء كانوا أوروبيين أو لبنانيين ( الشوام كما كان المجتمع المصري يطلق عليهم)
كان الرئيس محمد نجيب يدرك كوزموبوليتية مصر، ويعلم أن الجاليات الاجنبية تمصّرت وشيّدت مؤسساتها أعمدة اقتصاد مصر وإعلامها وثقافتها، وكان يبث الطمأنينة دائما بينها كلما سنحت الفرصة له، وفي هذا الإطار زار اليهود القرائين في معبدهم، كبرهان ملموس على أنهم جزء من نسيج الشعب المصري.
بدأت تختفي التعددية الثقافية للمجتمع المصري بعد اعتقال الرئيس محمد نجيب وتولي عبد الناصر، الذي كان يدرك تماماً تركيبة العقلية المصرية العَلمانية آنذاك، ويعلم كيفية التآمر عليها، فاستخدم فبركة اتصال الرئيس محمد نجيب بالإخوان ليثير فورة غضب حوله، بينما السبب الحقيقي كان مطالبة محمد نجيب بعودة الجيش إلى الثكنات وترك الحياة المدنية للمدنيين.
لم يذهب محمد نجيب إلى قبر حسن البنا ليقف وقفة تأمل وخشوع بعد نجاح الانقلاب، كما فعل عبد الناصر وصلاح سالم كدليل على عضويتهما للإخوان المسلمين، لكن التهمة ابتلعها المجتمع المصري وتقبّل اعتقال محمد نجيب على مضض أولا ثم كأمر واقع ثانياً.
تجلت مظاهر الاختفاء العلني لتعددية المجتمع المصري في هجرة أصحاب رؤوس الاموال الأجانب واليهود والمسيحيين في الجاليات المتمصرة، وحتى المسلمين المصريين المتنورين الذين كانوا على علم بخلفيات عبد الناصر ونواياه.
أمّا الاختفاء السري الذي لم يشاهده العالم لمحدودية وسائل الاعلام آنذاك، فكان هجرة أفراد الجاليات العاديين أنفسهم يوماً بعد يوم، بمن فيهم اللبنانيين، الذين أخذ الخناق يضيق على ثقافتهم وأرزاقهم، وأحد الذين عبّروا عن ذلك الكاتب أمين معلوف في كتابه "غرق الحضارات"، عندما ذكر أن عائلته اللبنانية المتمصرة تركت مصر بسبب عبد الناصر وشعاراته.
أفرّغت هذه الهجرة مصر من قوتها الناعمة أيضاً، فقد هاجر فنانون كانوا في بدايات حياتهم الفنية مثل داليدا وديميس روسس وجورج موستاكي، وبدأت أسماء المتمصرين تختفي تدريجياً من العاملين خلف الكاميرا في أي فيلم والاعمال الفنية بشكل عام، والممثلون الذين ظلوا لم يكن يُقدم لهم سوى دور الجاسوس أو البارمان أو الخواجة الذي لا يُحسن العربية، ثم لحقت المضايقات حتى الفنانيّن الكبيريّن فريد الاطرش وصباح اللذين شعرا بأن لا مكان لهما في مصر فذهبا إلى لبنان، ناهيك عن أسماء فنية وأدبية كثيرة غير مشهورة.
خلفيات الانقلاب
الانقلابات لا تقوم فجأة، بل أن توقيتها معروف في مطابخ السياسة العالمية، ويصعُب فهم خلفيات انقلاب يوليو 1952 بدون فهم علاقة الولايات المتحدة بالإخوان المسلمين. الولايات المتحدة التي بدأت ترسم سياسات العالم بعد الحرب العالمية الثانية، وكان الاستعانة بالإسلام لوقف مدّ الشيوعية أحد ستراتيجياتها.
ليس صدفة أن يُشاهد عبد الناصر وهو يتردد على سفارة الولايات المتحدة في القاهرة قبل الانقلاب، أو يقول الملك فاروق: “حيبقى خمسة ملوك فقط في العالم، أربعة منهم في الكوتشينة"؛ ورق اللعب باللهجة المصرية.
تدّخل أميركا لرحيل الملك فاروق بسلام من القاهرة، ألغي فكرة محاكمته وإعدامه كما قرر بعض الضباط الشرسين الحاقدين ومنهم صلاح سالم. والتدّخل يؤكد العلاقة بين قائد الانقلاب الحقيقي والبيت الأبيض ومدى تأثير الرئيس الأميركي آنذاك على مجريات انقلاب حاصر ملك دستوري في قصره بالدبابات، بينما سبعون ألف جندي بريطاني في مصر لم يتحركوا لحماية السلطة الشرعية القائمة منذ سنة 1805!
لقاء الرئيس أيزنهاور بسعيد رمضان لم يكن صدفة، إذ بدأت العلاقات الخاصة بين الولايات المتحدة الأميركية وتنظيم الإخوان في عهد الرئيس الأمريكي أيزنهاور، الذي التقى في واشنطن سنة 1953 سعيد رمضان زوج الابنة الصغرى لحسن البنا مؤسس تنظيم جماعة الإخوان، وفق ما أظهرت وثائق خاصة بالاجتماع موجودة في مكتبة الرئيس أيزنهاور في أبيلين بولاية كنساس.
لعبت المخابرات المركزية الأميركية وفق الوثائق الدور الكبير في تجنيد سعيد رمضان، الذي وُصف آنذاك "وزير خارجية تنظيم الإخوان". وبناء على هذه العلاقة، تأسس بعد ذلك ما سُمي "بالتنظيم الدولي للإخوان"، الذي اتخذ في البداية "مسجد ميونخ" مقراً له، ومن يقرأ وثيقة "THEORY APPOINTMERNT BOOK" سيدرك أن جماعة الإخوان منذ سنة 1953 كانت "جماعة وظيفية" لتحقيق كل الأهداف الأميركية في الشرق الأوسط والدول الإسلامية، ثم امتدت إلى أوروبا وروسيا، والآن في الصين.
كما كشفت الوثائق، التي نُشر جزء منها كتاب "روبرت دريفوس"، كيف ساعدت الولايات المتحدة تنظيم الإخوان على الانتشار وكسب الأعضاء والتمويل بغرض الوقوف أمام مدّ شيوعية الاتحاد السوڤياتي في ذلك الوقت.
أغرب ما في هذه الوثائق والعلاقة بين الدولة العظمى والتنظيم، أنّ الذي نصح إدارة الرئيس أيزنهاور بالانفتاح على تنظيم الإخوان هو المؤرخ اليهودي المتخصص في شؤون المشرق العربي "برنارد لويس" صاحب "خرائط تقسيم وتفتيت المنطقة والمشرق العربي" على أسس طائفية وعرقية، ولويس هو الذي أوعز إلى المخابرات الأميركية وضع خطط طويلة المدى لدعم تنظيم الإخوان في المنطقة، وقد عمل مع برنارد لويس كل من جون فوستر دالاس وزير الخارجية الأميركي، وشقيقه ألان دالاس مدير وكالة المخابرات المركزية آنذاك، وأعدّ دالاس بالاتفاق مع الرئيس أيزنهاور مؤتمراً بجامعة برينستون حضره أعضاء من تنظيم الإخوان المسلمين برئاسة سعيد رمضان.
أما غير المعقول في العلاقة بين أميركا والاخوان فهو نشر كراهية أميركا في الشارع الإسلامي بواسطة الإخوان المسلمين، وإشاعة تعاون الماسونية والإمبريالية الأميركية-العالمية ضد الإسلام والمسلمين، والتعاون مع الإمبريالية سراً للوصول والبقاء في الحكم بحماية منها.
هذه الازدواجية (التقية بالمفهوم الإسلامي) تتفق تماماً مع ما كتبه عبد الناصر في رسالة لكيندي طلب منه غض النظر عن الهجوم الرسمي والإعلامي على إسرائيل وأميركا في وسائل الاعلام العربية، لأن ذلك الهجوم العلني إرضاءً للشارع العربي فقط.
تنظيم ونظام
أسس عبد الناصر قبل انقلاب يوليو "تنظيم الضباط الاحرار" على غرار "النظام الخاص" للإخوان المسلمين تماماً، ولم يكن فيه ضابط مسيحي مصري واحد، بل كان على الأقل ثلاثة من أعضائه ينتمون عقائدياً للإخوان المسلمين، ناهيك عن عبد الناصر شخصياً، فقد كان إخوانيا من "النظام الخاص"، أقسم على القرآن والسيف للطاعة والولاء كما ورد في عدة كتب، وعدم اختياره لضابط مسيحي واحد يعكس ولاءه الشخصي الذي يعكس رؤيته لمسيحيي مصر، الذين وصل بعضهم في دولة محمد على وابنائه إلى منصب رئيس وزراء، وشكلوا نصف ثورة 1919 ضد الإنكليز.
حسب شهادات زوجة عبد الناصر وخالد محيي الدين وأنور السادات، لم يكن أحد خارج تنظيم "الضباط الاحرار" يعلم بموعد انقلاب يوليو المُعد على النظام الملكي سوى حسن الهضيبي مرشد عام الاخوان المسلمين، الذي أبلغه عبد الناصر بنفسه بما سيحدث، ويستحيل في السياسة والدين أن يكون الولاء وكشف الأسرار لغير المؤمنين أو الأعضاء الموالين الذين يثقون في بعضهم بعضاً ثقة تامة، خصوصاً بشأن إنقلاب عسكري قد تكون نتيجة فشله الاعدام.
في خطاب 5 سبتمبر/أيلول سنة 1981 قال أنور السادات حرفياً ضمن هجومه على الاخوان المسلمين بعدما انقلبوا عليه: "إحنا دعينا الاخوان يشتركوا معانا .. في ثورتنا.. فجبنوا ورفضوا".
اتفق عبد الناصر مع الاخوان على فكرة التغيير في مصر، خصوصاً ما كان غير معلن في مبادئ الثورة الستة، وهي بنود تتوافق تماماً مع هجوم وحرق الإخوان المسلمين لمحلات المصريين اليهود في الإسكندرية بعد حرب سنة 1948، ثم التضييق على المصريين اليهود ليهاجروا بعد تسلّم عبد الناصر للحكم، واجبارهم على توقيع أوراق عند مغادرتهم تفيد بعدم رجوعهم إلي مصر.
وبما أن الأطماع السياسية والشخصية تفسد أي انقلاب نجح أو ثورة نُفذت، وقع الخلاف الكبير بين الإخوان المسلمين وعبد الناصر على تقسيم تركة أسرة محمد علي، ونصيب الإخوان كتنظيم من الحكم وعدد الوزارات التي سيتولونها والاقرار بالمرشد كمرجعية أولى وأخيرة (كما في إيران/الخوميني تماماً).
الخلاف سمح بظهور نيات ديكتاتورية عبد الناصر الذي لم يسمح بالمشاركة، ولم يقبل بالمرشد كمرجعية، لأن عبد الناصر اعتبر نفسه مرجعية شاملة نهائية كما أظهرت الأيام، وكحاكم سني طمح إلى أن يكون خليفة المسلمين لكن بشكل وحدة قومية إسلامية أو عربية، فسّن قانون الأزهر وجعله جامعة، وهكذا أصبح الأزهر مرجعاً دينياً موالياً له، عوضاً عن الإخوان المسلمين الذين ردوا على انقلاب عبد الناصر عليهم بإطلاق الرصاص عليه في منشية الإسكندرية في أكتوبر سنة 1954، لكنه لم يُقتل أو يصب.
البند المخفي الآخر في انقلاب يوليو تمثل في تهميش مسيحيي مصر الذين كانوا قبل عبد الناصر في وزرات سيادية، ثم أصبحوا بعد ذلك في وزارت غير مؤثرة ولا قيمة لها في القرار السياسي، الذي كان على كل حال للزعيم والمرجع الأوحد "المُلهَم"، وظلت بعض الشخصيات غير المؤثرة في وزاراته مثل كمال رمزي ستينو موجودة كديكور، إلى أن اختفى العنصر المسيحي تماما في الوزارات بعد ذلك. كما لم يُسلِّم عبد الناصر أي قيادة عُليا لمسيحي في الجيش المصري أو في المصالح الحكومية أو الشركات التي أممها وتسلمها ضباط مسلمين.
الشرع والقانون
بدأت أولى مظاهر الدولة الدينية في مصر، بعدما استطاع الإخوان المسلمون الاعضاء في مجلس قيادة الانقلاب اقناع الاخرين بعدم جدوي وجود الأحزاب السياسية، وكونوا أغلبية تؤمن بقناعة ضرورة حلها، بدعوى أنها غير قادرة علي تحقيق أهداف الثورة الستة، ما جعل مجلس قيادة الانقلاب بعد أربعة أشهر من مغادرة الملك فاروق وتنازله عن العرش لابنه، يصدر قانون حل الأحزاب السياسية وتم إلغاء كافة الأحزاب ما عدا الاخوان المسلمين باعتبارهم حزب دعوة وليس حزباً سياسياً، ما يمهد الطريق أمامهم للحلول محل مؤسسات المجتمع المدني، ومساندة الزعيم لضمان بقائه في السلطة بدون مشاكل مدنية، لأن ولاء الجيش كان مؤكداً بوجود عبد الحكيم عامر صديقه المخلص.
بعد ذلك بدأت الدولة الدينية/الناصرية تراقب الناس اخلاقياً بالتدريج، لاستحالة تحويل مصر فجأة آنذاك إلى دولة دينية، فصدر قانون تحريم القمار ومنعه قانونياً وتجريم من يمارسه، وأُغلقت المحافل الماسونية ونوادي الروتاري والمحافل البهائية، وتم إلغاء تراخيص العمل الممنوحة لبائعات الهوى ...
مشاهدة مبادئ مخفية في إنقلاب يوليو 1952
يذكر بـأن الموضوع التابع لـ مبادئ مخفية في إنقلاب يوليو 1952 قد تم نشرة ومتواجد على قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد على بيروت تايمز ( لبنان ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.
التفاصيل من المصدر - اضغط هنا :::
وختاما نتمنى ان نكون قد قدمنا لكم من موقع Pressbee تفاصيل ومعلومات، مبادئ مخفية في إنقلاب يوليو 1952.
في الموقع ايضا :
- من رصد الخطر إلى إنقاذ الأرواح: المنتدى العربي للإنذار المبكر بتونس يبحث سبل حماية المجتمعات وتعزيز الجاهزية
- كوريا الجنوبية تختبر مفهوم «الجناح المسيّر» بالتعاون مع المقاتلة الخفيفة FA-50.. تقنية قد يستفيد منها المغرب والعراق
- يزعم المتسللون أنهم ضربوا الآلاف من عملاء هاتف ترامب مع استمرار الأخبار السيئة لمحبي الهواتف الذكية الذهبية