يمنات
إبراهيم جلال
منذ اندلاع الحرب على غزة، أصبحت حدود اليمن البحرية ساحة صراعٍ على النفوذ بين القوى الإقليمية والدولية. فقد عمَدت حركة أنصار الله، المعروفة بالحوثيين، إلى عرقلة حركة الملاحة عبر مضيق باب المندب الذي يُعدّ مدخلًا إلى البحر الأحمر وقناة السويس، بهدف الضغط على اقتصادات إسرائيل والدول الغربية، على حدّ تعبير الجماعة، لتسريع وقف إطلاق النار في غزة. وحاولت الولايات المتحدة والدول الأوروبية التصدّي لهذه المعضلة من خلال تشكيل قوات مهامّ بحرية لحماية حركة الملاحة، بيد أن هذه المساعي لم تتكلّل بالنجاح في الغالب.
عملية اسبيدس
خير مثالٍ على هذه المساعي هي عملية أسبيدس (Aspides) التي أطلقتها القوة البحرية التابعة للاتحاد الأوروبي. فعلى غرار عملية حارس الازدهار التي تشكّل تحالفًا بحريًا متعدّد الجنسيات بقيادة الولايات المتحدة، تركّز مقاربة مهمّة أسبيدس على المدى القصير وتفتقر إلى استراتيجية شاملة للتخلّص من التهديد الذي يشكّله الحوثيون على حركة الملاحة البحرية، أو على الأقل لتقليصه بشكلٍ كبير. لذا، يحتاج الأوروبيون إلى تبنّي مقاربة مختلفة توازنُ بين سعيهم إلى الدفاع عن السفن التجارية في البحر الأحمر، وضرورة تهيئة الظروف اللازمة لإرساء سلام دائم في اليمن يضمن عدم إقدام الحوثيين مجدّدًا على تعطيل حركة الملاحة عبر باب المندب.
نموذج في ضبط النفس
تمّ إطلاق مهمّة أسبيدس التي يقع مقرّ عملياتها في اليونان يوم 19 شباط/فبراير 2024، تماشيًا مع قرار مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة رقم 2722.
اهداف العملية
ومن المقرّر أن تستمر هذه العملية لمدة عام واحد، وهي ترمي إلى تحقيق أهداف ثلاثة رئيسة هي: حماية السفن التجارية من هجمات الحوثيين؛ وضمان عبورها الآمن في مضيق باب المندب؛ وتعزيز الوعي بالأمن البحري. وحتى أواخر أيلول/سبتمبر 2024، تمكّنت مهمّة أسبيدس من مرافقة أكثر من 250 سفينة تجارية في البحر الأحمر، وصدّ ما لا يقل عن أحد عشر هجومًا للحوثيين في أربع مناسبات على الأقل باستخدام صواريخ بالستية مضادّة للسفن.
وظلّت عملية أسبيدس منفصلةً عن الغارات الأميركية والبريطانية التي استهدفت منشآت تخزين الأسلحة ومنصات إطلاق الصواريخ التابعة للحوثيين، والتي أصبحت تشكّل حملةً عسكرية واضحة. في هذا الصدد، أشار مسؤول رفيع المستوى في الحكومة اليمنية إلى أن: “عملية أسبيدس تسعى إلى التقليل من المخاطر، وليس تحييدها [بالكامل]”.1
رقم ضئيل
لكن، عند التفكير بأن 22 ألف سفينة تقريبًا مرّت عبر المضيق خلال العام السابق، يبدو عدد السفن التي تمّ تأمين عبورها الآمن، أي 250 سفينة، رقمًا ضئيلًا جدًّا.
انخفاض حركة الملاحة
وتشير البيانات إلى أن حركة الملاحة عبر مضيق باب المندب انخفضت بنسبة 55 في المئة على الأقل مقارنةً مع العام 2023، ما أدّى إلى تعطيل سلاسل التوريد عبر المضيق، والتي تصل قيمتها إلى 1 تريليون دولار سنويًا.
تحويل مسار
لذا فضّلت شركات الشحن الكبرى تحويل مسار سفنها لتُبحر باتجاه طريق رأس الرجاء الصالح.
كذلك، تواجه السفن التي تمرّ عبر المضيق تهديدات متعدّدة الأبعاد عمَدت عملية أسبيدس وعملية حارس الازدهار إلى التصدّي لها. ففي آب/أغسطس الماضي على سبيل المثال، ساهمت مهمّة أسبيدس في الحؤول دون حدوث كارثة بيئية من خلال تقديم الإغاثة لسفينة “إم في سونيون” اليونانية التي كانت مُحمَّلة بـ150 طنًّا من النفط الخام، وإنقاذ 27 بحارًا كانوا على متنها، بعد تعرّضها إلى هجوم نفّذه الحوثيون.
مخاوف القيادة والسيطرة
بادر الاتحاد الأوروبي إلى إطلاق عملية أسبيدس بعد مرور شهرَين على رفض كلٍّ من إسبانيا وفرنسا وإيطاليا وضع سفنها تحت قيادة الولايات المتحدة في إطار عملية حارس الازدهار.
وأُفيد بأن أسباب هذا الانسحاب كانت مخاوف متعلقة بالقيادة والسيطرة، والرغبة في تجنّب العمليات الهجومية، وموقف واشنطن الداعم لإسرائيل.
تشكيل قوة بحرية
كان الهدف من إطلاق مهمّة أسبيدس ونطاقها تشكيلَ قوة بحرية أوروبية بمنأى عن التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة، لتعزيز الاستقلالية الاستراتيجية وتماسك الاتحاد الأوروبي، نظرًا إلى اعتماده الكبير على الولايات المتحدة في سياسته الدفاعية؛ وكان الهدف أيضًا تجنّب التورّط في مواجهة غير متكافئة مع الحوثيين.2
توطيد الثقة
وأراد الاتحاد الأوروبي أيضًا توطيد أواصر الثقة مع الشركاء الإقليميين، وإبداء التزامه بالدفاع عن حرية الملاحة والنظام الدولي القائم على القواعد من خلال العمل على إرساء الأمن البحري في المنطقة، والدفاع عن مصالحه عبر حماية عمليات الشحن البحري.
نقطة اختلاف
وفي نيسان/أبريل 2024، سلّط البيان الصادر عن الممثّل الأعلى للاتحاد الأوروبي للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية، جوزيپ بوريل، الضوءَ على نقطة اختلاف أساسية بين النهجَين الأوروبي والأميركي تجاه الأمن البحري، مشدّدًا على أن بعثة أسبيدس “غير منخرطة في أي عمليات بريّة ضدّ الحوثيين” وأن “]سفنها[ تعمل في إطار الدفاع عن النفس”.
فعلى خلاف مهمة حارس الازدهار مثلًا، فإن عملية أسبيدس لا تشنّ ضربات جوية استباقية ضدّ مواقع وأهداف عسكرية تابعة للحوثيين.
تفويض دفاعي
وافق مجلس الاتحاد الأوروبي، من خلال إنشاء قوة أسبيدس في غضون شهر، على إطلاق عملية بحرية بمهمة محدّدة ومؤقتة وبتفويض دفاعي ومحدود، ما سمح للدول الأوروبية بالتوصّل إلى الحدّ الأدنى من الاتفاق في ما بينها على آلية صنع القرار.3 على سبيل المثال، فيما امتنعت إسبانيا عن المشاركة في كلٍّ من بعثة أسبيدس وعملية حارس الازدهار، وفّرت بلدانٌ مثل الدنمارك وفرنسا وألمانيا واليونان وإيطاليا الدعم الأمني، مثل الطائرات المقاتلة والقوات البحرية والقدرات الاستخباراتية، وعبّر التنوّع في أشكال انخراط هذه الدول عن حساباتها ومصالحها وتصوّراتها المختلفة حيال الحوثيين.
وقدّمت القواعد العسكرية التابعة لبعض الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي في منطقتَي شرق أفريقيا والخليج، مثل الأصول البحرية الفرنسية في كلٍّ من جيبوتي والإمارات العربية المتحدة ومدغشقر والسيشل، الدعمَ اللوجستي لعملية أسبيدس، ونسّقت مع عملية أتلانتا التي أطلقتها القوة البحرية التابعة للاتحاد الأوروبي بهدف مكافحة أعمال القرصنة قبالة سواحل الصومال، وأيضًا مع تحالف حارس الازدهار.4
غياب الضمانات
نظرًا إلى أن بعثة أسبيدس، على غرار عملية حارس الازدهار، تشكّلت في الغالب كردّ فعل تجاه سلوك الحوثيين خلال الحرب الدائرة في غزة، وأنها محدودة زمنيًا بعامٍ واحد، فما من ضمانات بأن الحوثيين لن يكرّروا عملياتهم في المستقبل. فوفقًا لمصالح محور المقاومة، أي تحالف القوى الموالية لإيران في مختلف أرجاء الشرق الأوسط، قد يسعى الحوثيون مجدّدًا إلى عرقلة حركة الملاحة البحرية عبر هذا الممرّ الاستراتيجي. وستكون التداعيات أكثر فداحةً إذا حدث ذلك بالتوازي مع تنفيذ التهديدات بإغلاق مضيق هرمز وتعطيل حركة الملاحة في البحر الأبيض المتوسط.
الامن البحري
لم تحقّق عملية أسبيدس النتائج المرجوّة لا في تغيير سلوك الحوثيين ولا في إعادة حركة الملاحة التجارية عبر البحر الأحمر إلى مستويات ما قبل الأزمة.
لذا، السؤال اليوم هو كيف يمكن للاتحاد الأوروبي التعامل على نحوٍ أفضل مع الصراع اليمني في إطار المساعي الأوسع لصون الأمن البحري في المنطقة.
سياسة أوروبية أكثر فعاليةً للتعامل مع عمليات الحوثيين البحرية
تظهر الطبيعة القصيرة الأمد والمُقيَّدة لعملية أسبيدس أن الدول الأوروبية المُنخرطة في هذه المهمّة البحرية تسعى في المقام الأول إلى معالجة أعراض أنشطة الحوثيين، وليس مصدرها.
الدفاع عن السفن
وعلى غرار عملية أتلانتا التي أُطلقت لمكافحة القرصنة في العام 2008، وركّزت على حماية السفن والشحنات التي تنقل مساعدات إنسانية إلى الصومال والتابعة لكلٍّ من برنامج الأغذية العالمي وبعثة الاتحاد الأفريقي في الصومال، تهدف عملية أسبيدس إلى الدفاع عن السفن التجارية من دون الاعتراف على نحوٍ كافٍ بالتهديدات الأوسع نطاقًا.
تنظيم غير حكومي
في اليمن، يبسط تنظيمٌ غير حكومي (الحوثيون) سلطته على مساحة تبلغ 30 في المئة من البلاد تقريبًا، وثمّة وجودٌ أيضًا لشركاء مُحتمَلين للاتحاد الأوروبي على الأرض.
قرصنة منظمة
وبالتالي، يختلف الوضع هناك بشكلٍ كبير عن القرصنة المنظّمة في الصومال. لكن عملية أسبيدس لم تركّز على إضعاف قدرات الحوثيين أو تقديم الدعم للحكومة اليمنية المُعترف بها دوليًا لمعالجة الخلل في موازين القوى في اليمن
تفاقم
ومن العوامل التي تفاقم هذا الخلل هو استمرار سيطرة الحوثيين على مدينة الحديدة الساحلية وموانئها.
تحييد التهديد
وكان هذا الأمر ممكنًا نتيجةً لاتفاق ستوكهولم للعام 2018، الذي شكّل خطأً استراتيجيًا في التقدير أدّى إلى نتائج عكسية بعد خمس سنوات. فسيطرة الحوثيين على معظم مناطق الحديدة سمحت لهم بمواصلة التزوّد بالأسلحة غير المشروعة والمعدّات العسكرية والوقود عبر موانئ مدينة الحديدة والصليف ورأس عيسى، وبإطلاق الزوارق المفخّخة والصواريخ والطائرات المسيّرة والألغام البحرية من الساحل.
لو تلقّت القوات الحكومية اليمنية المدعومة من الإمارات العربية المتحدة دعمًا دوليًا في معركتها للسيطرة على الحديدة، لكانت نجحت في حرمان الحوثيين من الموارد اللوجستية والعسكرية والمالية التي تمكّنهم من إغلاق باب المندب، وبالتالي تحييد التهديد الذي يشكّلونه.
ازمات بحرية
صحيح أن وتيرة هجمات الحوثيين على السفن التجارية تصاعدت خلال الحرب الدائرة في غزة، إلّا أنها بدأت فعليًا منذ العام 2016، خلال السنوات الأولى من الحرب التي شنّها التحالف بقيادة السعودية ضدّ الحوثيين.
ويشير هذا إلى احتمال وقوع أزماتٍ بحرية جديدة حول مضيق باب المندب إذا ظلّ الحوثيون يسيطرون على شمال غرب اليمن وسط ظروفٍ حافلة بالفوضى والصراعات والاضطرابات الإقليمية.
فصل الأزمة
حين استأنف الحوثيون هجماتهم على الملاحة البحرية العام الماضي، توقّع معظم الناس انتهاء هذه العمليات بعد بضعة أسابيع، بيد أنها لا تزال مستمرةً حتى يومنا هذه.
لقد اختار الاتحاد الأوروبي والمجتمع الدولي بشكل عام فصل هذه الأزمة عن الشروط اللازمة لتحقيق السلام الدائم في اليمن، ما أدّى إلى إبقاء حركة التجارة في البحر الأحمر رهينةَ الحسابات السياسية للحوثيين الذين ينفّذون العمليات نيابةً عن إيران.
اهمية اليمن
شدّد مجلس الاتحاد الأوروبي “على أهمية اليمن لخطوط الإمداد البحرية الرئيسة المستخدمة لإيصال منتجات الطاقة والسلع الأخرى؛ وعلى الهدف المتمثّل في ضمان أمن واستقرار منطقة الخليج والبحر الأحمر والقرن الأفريقي؛ وكذلك على الحاجة إلى منع انتشار التنظيمات الإرهابية بشكلٍ أكبر”.
في ضوء ذلك، ينبغي على الأوروبيين التحلّي بالإرادة السياسية لتبنّي سياسات طويلة الأمد من شأنها ضمان إرساء الأمن والاستقرار في اليمن. لكنهم ركّزوا بدلاً من ذلك على عمليات خفض التصعيد غير المُصمَّمة بشكل جيّد والتي كافأت الحوثيين وزادتهم جرأةً، من دون تحقيق سلام دائم. وقد اصطدم هذا النهج بصعوبات واضحة.
استراتيجية مشتركة
لم تستطع مهمة أسبيدس ولا عملية حارس الازدهار تأمين حرية الملاحة عبر باب المندب، ومن غير المرجّح أن تنجحا في ذلك. إذا كان الاتحاد الأوروبي يرغب في اتّخاذ إجراءات أكثر فعاليةً، فيجب أن تبلور دوله استراتيجية مشتركة لليمن لكي تتمتّع بحظوظ نجاحٍ أكبر. وقد يستدعي ذلك اتّباع مسارَين متوازيَين.
حوافز
أولًا، يتعيّن على الاتحاد الأوروبي أن يعيد النظر في دعمه لعمليات السلام في اليمن. فهذه العمليات تقدّم حوافز للحوثيين من دون تقديم تنازلات، ولكنها لا تسهم في إعطاء الأولوية للمحادثات بشأن الوضع الأمني والانتشار غير المُنضبط للأسلحة التقليدية وغير التقليدية، وخصوصًا تلك التي يمتلكها الحوثيون وتهرّبها إيران إلى اليمن. وتُعدّ هذه المحادثات ضرورية لمعالجة التحديات الطويلة الأمد ...
مشاهدة مهم ة أسبيدس الأوروبية ومخاطر التوقعات المتدنية في اليمن
يذكر بـأن الموضوع التابع لـ مهم ة أسبيدس الأوروبية ومخاطر التوقعات المتدنية في اليمن قد تم نشرة ومتواجد على قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد على موقع يمنات الأخباري ( اليمن ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.
التفاصيل من المصدر - اضغط هنا :::
وختاما نتمنى ان نكون قد قدمنا لكم من موقع Pressbee تفاصيل ومعلومات، مهمّة أسبيدس الأوروبية ومخاطر التوقعات المتدنية في اليمن.
في الموقع ايضا :