من الواضح أن البلاد بدأت الاستعداد للدخول إلى مرحلة جديدة من، الحوار الوطني الذي أصبح أحد أهم استحقاقات العملية السياسية . غير أن قيمة الحوار لا تُقاس بمجرد انعقاد مؤتمر أو بعدد القوى المشاركة فيه، وإنما بقدرته على إنتاج توافق وطني ، بما يعيد بناء الثقة ويضع البلاد أمام سؤال مهم، كيف يمكن أن نختلف على السلطة دون أن نختلف على الدولة؟
فالحوار الذي يأتي بعد حرب بهذه التداعيات المفجعة، لا ينبغي أن يكون صفقة بين النخب، ولا تسوية لتوزيع المناصب، ولا إعادة إنتاج للمعادلات التي قادت البلاد إلى الحرب . يجب أن يكون تأسيس لعملية سياسية على قاعدة أن الدولة ملك للسودانيين ، وأن السلطة وظيفة قابلة للتداول، وأن الخلاف السياسي لا يمنح الحق لاستخدام الدولة أو السلاح لإلغاء الخصوم.
لكن الطريق إلى الحوار محفوف بسؤال مهم: من يشارك، ومن يُستبعد، وبأي معيار؟ فالمعضلة ليست في الشمول أو الإقصاء، وإنما في المرجعية التي تحددهما. فإذا صار الاستبعاد أداة سياسية لإقصاء الخصوم، أُعيد إنتاج الصراع، وإذا تحول الشمول إلى غطاء لتجاوز الجرائم والانتهاكات، فقد الحوار مشروعيته. لذلك، يجب أن يكون القانون أساسًا للمشاركة والمساءلة، لا موازين القوة أو الوزن السياسي.
ولهذا يجب الفصل بين الحق في المشاركة والمسؤولية عن الجرائم، فلا تُمنح الجريمة حصانة بالسياسة، ولا تتحول المساءلة الجنائية إلى أداة للإقصاء السياسي. فالمشاركة تُنظّمها القواعد السياسية والدستورية، والجرائم يحكمها القانون والقضاء. وحين يختلط المساران، تُسيَّس العدالة ويُفرَّغ الحوار من مضمونه ، فيصبح وسيلة لتصفية الخصوم بدل أنها الصراع.
ومن هنا تأتي العدالة الانتقالية باعتبارها أحد شروط السلام لا عقبة أمامه. فالسودان لا يستطيع أن يبني مستقبله على قاعدة “عفى الله عن ما سلف “، كما لا يستطيع أن يعيش أسيرًا للانتقام. المطلوب عدالة تعترف بما واجهه الضحايا من انتهاكات ، وتحدد المسؤوليات الجنائية ، وتمنع الإفلات من العقاب، وفي الوقت نفسه تفتح الطريق أمام المصالحة الوطنية.
فالعفو في الحق العام او الخاص ، حيث تسمح به طبيعة الجريمة والقانون، يمكن أن يكون أداة لبناء الثقة، لكنه لا ينبغي أن يتحول إلى صفقة سياسية لإغلاق الملفات والاتهامات، إلا إذا كانت اصلآ اتهامات باطلة ، كما أن المحاسبة لا ينبغي أن تتحول إلى وسيلة لإقصاء تيارات سياسية بعينها .
وهنا نصل إلى الثابت الأكبر الذي لا ينبغي أن يكون محل تفاوض : الدولة السودانية.
كشفت الحرب حقيقة غيّبها الاستقطاب: الدولة ليست السلطة. فالدولة هي الأرض والشعب والمؤسسات والسيادة والقانون، أما السلطة فإدارة سياسية مؤقتة تتغير بتغير الظروف. وحين تختلط السلطة بالدولة، يصبح نقد الحكومة عداءً للوطن، ويغدو إسقاط السلطة ذريعة لإضعاف الدولة ، وفي الحالتين، تتفع بلادنا الثمن.
وجاءت تضحيات الشهداء لتضع الدولة فوق الحسابات السياسية. لم يستشهدوا من أجل سلطة أو شخص أو جماعة، بل دفاعًا عن وطن رأوا أن سقوط دولته يعني سقوط الجميع. لذلك تبقى دماؤهم أمانة في أعناق الأحياء، وأعظم وفاء لهم أن نحمي الدولة التي دفعوا حياتهم من أجلها. فالشهادة لا تمنح أحدًا تفويضًا أبديًا بالحكم، بل تفرض مسؤولية تاريخية: ألا نسمح بأن تصبح الدولة رهينة الفوضى والصراع من جديد. ويبقى السؤال الأثقل: هل نستطيع أن نصون الدولة التي استشهدوا من أجل بقائها؟
وهنا يبدأ الحوار الحقيقي بين الدولة والسلطة. من حق السودانيين أن يختلفوا حول الحكومات والبرامج ونظام الحكم، وأن يتنافسوا على إدارة البلاد، لكن الخطر يبدأ حين يتحول الصراع على السلطة إلى صراع على الدولة. فالحكومة تتغير دون أن تتغير الدولة، والتحالفات تتبدل دون أن تتبدل السيادة، وقد يخسر حزب السلطة دون أن يخسر الوطن. أما حين تصبح الدولة نفسها طرفًا في الصراع، تتحول السياسة إلى تهديد للوجود.
لذلك، فإن التوافق المنشود ليس على الأشخاص، بل على قواعد تداول السلطة: مؤسسات وطنية لا حزبية، قوات نظامية خارج الاستقطاب، قضاء مستقل عادل ، وسلاح لا يكون طريقًا إلى الحكم أو البقاء فيه.
ومن هنا، فإن استثناء المؤتمر الوطني أو أي قوة سياسية من الحوار يجب ألا يكون استجابة لضغوط خارجية أو لموازين القوة، بل لقاعدة قانونية واضحة ، فمن تثبت بحقه جريمة يُحاسب فردًا أو تنظيمًا وفق القانون، أما الاختلاف السياسي فلا ينبغي أن يتحول إلى مبرر للإقصاء الجماعي. وفي المقابل، لا يجوز أن تصبح المشاركة غطاءً لإعادة إنتاج الحرب أو تقويض الدولة. فالدولة لا تحمي الجريمة، لكنها لا تعاقب بالسياسة بدل القانون .
فالحوار ليس مكافأة لمنتصر ولا تنازلًا لمهزوم، وإنما اختبار لقدرة الجميع على الاحتكام إلى قواعد الدولة. والنجاح الحقيقي ليس في تقاسم السلطة، بل في بناء دولة تتسع لمواطنيها، وتحاسب على أساس القانون، وتتيح التداول السلمي للسلطة. فالاستقرار يبدأ حين تصبح صناديق الاقتراع هي الفيصل، لا الضغوط الخارجية ولا موازين القوة ولا فوهة البندقية.
وبحسب #وجه_الحقيقة، فإن معركة السودان ليست على من يحكم، بل كيف تبقى الدولة. فالسلطة تتغير، أما الدولة فيجب أن تبقى فوق الصراع، والقانون فوق الجميع، والانتخاب طريقًا للحكم، والمحاسبة طريقًا للعدالة. والشهداء لم يدفعوا حياتهم ثمنًا لسلطة أو جماعة، بل دفاعًا عن وطن؛ وأعظم وفاء لهم أن نحمي الدولة من أن تصبح غنيمة للصراع.
دمتم بخير وعافية
الأثنين 10 أغسطس 2026 م Shglawi55@gmail.com
السودان… حوار الدولة والسلطة سوداني نت.
مشاهدة السودان hellip حوار الدولة والسلطة
يذكر بـأن الموضوع التابع لـ السودان حوار الدولة والسلطة قد تم نشرة ومتواجد على قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد على سوداني نت ( السودان ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.
التفاصيل من المصدر - اضغط هنا :::
وختاما نتمنى ان نكون قد قدمنا لكم من موقع Pressbee تفاصيل ومعلومات، السودان… حوار الدولة والسلطة.
في الموقع ايضا :