سيكون من قبيل الظلم، والإجحاف، والخيانة، وكل ما يدور في فلك ذلك، وكل ما لا يدور في فلكه، ألا أتحدث عنك، ومعك، وإليك، وبلسانك، وحتى من وراء ظهرك. أشياءٌ أبيح لنفسي أن أقولها، وأشياءٌ أترك لها مطلق الحرية في أن تقولني.
أول ما شدّ انتباهي إليك كانت جلستك. إنها تثير الفضول، والأسئلة التي تتولد منها الأسئلة. لماذا تنحيتَ جانبا، وجلستَ على طرفِ الكرسي، طرفه الأيمن تحديدًا، ولم تجلس في وسطه؟
بيد أنني أتساءل مستغربا: أيعقل أن يكون هذا القول صحيحا؟ أليس هذا مجرد إدعاء فظ وغير واقعي؟ من يستطيع أن ينفذ إلى نوايا الشاعر؟ أسألك لأعرف منك، لكنك لا تجيب، ولا تقدم لي أي مساعدة. تصرّ على الصمت، تاركا لي حرية أن أفهم الأمر كما أشاء، وأُأَوّله كما أشاء. أليس الصمت هو كنز الشاعر؟
أعرف أنك سليل حضارة الكلمة ولست سليل حضارة الصورة. الصور، كل الصور، حتى أجملها وأروعها على الإطلاق، تُرسم على يديك بالكلمات وليس بكاميرات الهواتف أو ألآلات التصوير، مهما كانت براعتها ودقتها. صورك تتحرك، وليست ساكنة ولا جامدة، فيها نبض حياة، وتصاب بالعمى من غير حروف وكلمات.
بيد أنه يكفي إلقاءه، مهما كانت اللغة، سيعرف طريقه إلى المتلقي من تلقاء ذاته. لا يحتاج إلى من يريه الطريق، لا يحتاج إلى خريطة. يكفي قوله، وهو سيدبر كل ما تبقى بنفسه، وبالاعتماد على نفسه.
أما إن كانت الجالسة أنثى، يدها الناعمة في يدك، فأنت أدرى مني بالمشاعر التي تراودك، وتعمل عملها في مادتك وروحك. أليس لكل واحدة منهن الحق عليك في أن تكتب لها قصيدة خاصة بها؟
أي مشاعر تراود المرأة في حضرة رجل يحترف الشعر؟ رجل يعيش حياة شاعر؟ يتخذ الشعر بيته ومأواه؟ ولا بيت له إلا بيوت قصائده؟ لا شيء في زاده غير القصائد؟ هل يكفيه ذلك كي تتعلق به، وتقبل أن تمضي معه في طريق طويل، وهي تعرف أنه لا يملك زادا آخر؟ هل ترضى أن تتنازل عن كل شيء مقابل كنز من القصائد؟
دع عنك كل هذا، وقل لي: أي حاضر يعيشه الشعر؟ وأي مستقبل ينتظره؟ هل أنت راضٍ على وضعه الحالي؟ هل تظن أنه سيختفي يوما ما؟ هل هناك بديل يمكن أن يحل محله؟ بديل يمكن أن يؤدي دوره؟ قرأتُ أن هيمنة التقنية، والفكر الاقتصادي، والمنطق الكمي، يجعلون النثر يتقدم، ويهيمن، والشعر يتراجع، ويتقلص، وينكمش. هذا يعني أن الجمال في العالم يضمحل، ودائرة الإنسانية تضيق، والخير والسلام ينحسران، وكُوبيد يموت!
أنت القائل إن مدينتك على صفحة البحر كُتبت. هذا ما يقول بيت في إحدى قصائدك. هل البحر الذي وراء ظهرك هو الذي تقصده؟ ربما أنت أدرى من أي إنسان آخر من أنه تغير، ولم يعد هو ذاته. كان نعمة ويبدو أنه صار لعنة. بضع مئات من الدولارات كافية اليوم لإغراقه، وشاطئه، والمدينة برمتها، بأصوات مزعجة لطائرات الهيلكوبتر، موضة الجولات السياحة الجديدة، التي تئن من ضجيجها حتى الجبال المجاورة.
أنظرُ إلى المدينة، بعينين مفتوحتين على مصرعيهما، فأجدها، في هذا الجزء على الأقل، حزينة. هل تشعر بحزنها؟ هل أنت حزين لحزنها؟ نظرتك الجانبية حزينة جدا. حزنك، الذي لا تحجبه النظارات، ليس مصطنعا، ولا مفبركا، وإنما أصيلا. أجده جميلا، وطاغيا، وساميا، فأقف أمامه صامتا.
جلستك أنيقة، وصمتك أنيق، وحتى حزنك أنيق أيضا! لا يكون الحزن أنيقا إلا حين يرتديه شاعر.
المدينة ماثلة أمامك عارية، بكل فتنتها، وفي كامل زينتها وبهرجها، فلماذا لا تنظر إليها، في عينيها مباشرة؟ هل صرتَ تخشى أن ترفع عينيك إليها فلا تعرفها؟ قد يذهب بصرك إلى الجبال المجاورة، فتراها تصعد الجبل لاهثة، هي التي هبطت منه في عصر سابق، مجلّلة بالغار كإلهة قديمة، وتعود إليه اليوم مكرهة ومكللة بالعار. تراها كلما صعدتْ جغرافيا كلما تراجعتْ على جميع النواحي الأخرى.
نظراتي قلقة، ومضطربة، ومشتتة. عينٌ على السماء وعينٌ على الأرض، عينٌ على الحجر وعينٌ على الغابة، عينٌ على الجبل وعينٌ على البحر، عينٌ على الناس وعينٌ على الأشياء… عينٌ عليكَ وعينٌ على الكاتبة الجالسة مع كلبها هناك.
شاعر على الشاطئ Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.
مشاهدة شاعر على الشاطئ
يذكر بـأن الموضوع التابع لـ شاعر على الشاطئ قد تم نشرة ومتواجد على قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد على هسبريس ( المغرب ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.
التفاصيل من المصدر - اضغط هنا :::
وختاما نتمنى ان نكون قد قدمنا لكم من موقع Pressbee تفاصيل ومعلومات، شاعر على الشاطئ.
في الموقع ايضا :