فالمرحلة التي أعقبت الاقتراع تحمل أسئلة تتصل ببنية الأغلبية المقبلة، وطبيعة التحالفات، وأولويات الحكومة الجديدة، وموقع المعارضة، كما تحمل سؤالاً مركزياً يتعلق بمدى قدرة الفاعلين السياسيين على استيعاب التحولات الاجتماعية والاقتصادية التي يعرفها المغرب، وعلى صياغة أجوبة سياسية تتناسب مع حجم الانتظارات. وإن عبارة “تحصين المكاسب ومواصلة المشاريع والإصلاحات الكبرى” لها دلالتها السياسية، لأنها تجعل من الدورة الانتخابية الجديدة امتداداً لمسار مؤسساتي وتنموي متراكم، وتضع أمام الحكومة المنبثقة عنها مسؤولية تحويل الشرعية الانتخابية إلى سياسات عمومية قادرة على مواكبة الورش التنموي، الذي يتجاوز الزمن الحكومي والبرلماني، وبذلك ترسيخ الثقة بين المواطن والمؤسسات، ضمن ثابت الاختيار الديمقراطي، الذي يؤكده دستور المملكة المغربية.
وتكتسب المشاركة الانتخابية في الأقاليم الجنوبية دلالة خاصة ضمن هذه الصورة العامة؛ فقد سجلت جهتا العيون الساقية الحمراء والداخلة وادي الذهب مستويات مرتفعة من المشاركة، إلى جانب نسبة مهمة في جهة كلميم واد نون. وتحمل هذه الأرقام معنى ديمقراطياً ومؤسساتياً واضحاً، لأنها تعكس انخراط سكان الأقاليم الجنوبية للمملكة في الورش التنموي الكبير، من خلال ممارسة حقهم في الاختيار والتمثيل والمشاركة في تشكيل المؤسسات الوطنية. وتكتسب هذه المشاركة بعداً سياسياً إضافياً يرتبط بموقع الانتخابات والمؤسسات المنتخبة في التعبير عن ممارسة السكان لشؤونهم العامة وفي إنتاج التمثيلية السياسية المحلية والوطنية. والانخراط التام في الورش المفتوح لإطلاق مقترح الحكم الذاتي، وتظل قوة هذه الدلالة مرتبطة بطبيعتها الانتخابية والمؤسساتية، وبما تتيحه المشاركة من تعبير سياسي عبر آليات الاقتراع والتمثيل.
ومن المهم قراءة هذه النتائج في ضوء الاختيارات الكبرى للمغرب والورش التنموي، والاستحضار المستمر لهذا البعد، الذي دخل مراحل متقدمة من البناء والتنفيذ. فالاستحقاق الانتخابي يؤسس لدورة سياسية جديدة يفترض أن تجد فيها الإصلاحات الاقتصادية والاجتماعية الكبرى سنداً مؤسساتياً متجدداً، وأن تتحول البرامج الانتخابية إلى تعاقدات سياسية واضحة حول الأولويات الوطنية. ويأتي في مقدمة هذه الأولويات مواصلة الإصلاحات المرتبطة بالحماية الاجتماعية، ودعم الاستثمار، وتسريع وتيرة التنمية الترابية، وتعزيز تنافسية الاقتصاد الوطني، وتطوير البنيات التحتية، ومواصلة إصلاح منظومات التعليم والصحة والتشغيل، إلى جانب الأوراش الاستراتيجية المرتبطة بالماء والطاقة والانتقال الرقمي والتنمية الصناعية.
ويكشف صعود بعض القوى وتراجع أخرى عن حركة مستمرة في الطلب الاجتماعي على التمثيل السياسي، وعن تحول الناخب من عنصر في المعادلة الانتخابية إلى فاعل يعيد بصورة دورية تشكيل موازين القوى. كما أن عودة العدالة والتنمية إلى موقع برلماني وازن تضيف عنصراً مهماً إلى المشهد، لأنها تعيد إدماج حزب ذي تجربة حكومية سابقة في معادلة سياسية جديدة، بما يحمله ذلك من أسئلة حول موقع المعارضة، وحدود التعددية، وطبيعة التنافس بين الأحزاب ذات المرجعيات والخطابات المختلفة. وبالتالي تصبح نتائج الانتخابات مؤشراً على حيوية النظام الحزبي المغربي، وانصهار كل مكوناته في المشروع التنموي الكبير، وقدرته على إنتاج التوازنات، وعلى استمرار السياسة باعتبارها مجالاً لإعادة بناء التمثيلية وفق التحولات الاجتماعية والسياسية.
ومن هنا يمكن قراءة نجاح أغلب الوزراء انتخابياً باعتباره مؤشراً سياسياً مهماً على استمرار الثقة الانتخابية في عدد كبير منهم، مع ترك تقييم الأداء الحكومي لمجموع المؤشرات التي تراكمت خلال الولاية. وأيضا حالة الوزير الذي لم ينجح في الاستحقاقات لها بدورها قيمة تحليلية، لأنها تذكر بأن الموقع الحكومي يحمل بطبيعة الحال ثقلاً سياسياً كبيراً، لكن تبقى الانتخابات مجالاً مفتوحاً للمنافسة وإعادة توزيع التمثيل، ولكل دائرة انتخابية خصوصيتها ونمط السلوك الانتخابي الذي يحكمها. وتكمن أهمية هذه المفارقة في الفصل المنهجي بين شرعية المنصب وشرعية الاقتراع، وبين الحضور داخل الجهاز التنفيذي والقدرة على الاحتفاظ بثقة الناخبين.
وتكتسب المادة الدستورية أهمية مركزية، خصوصاً الفصل 47 من الدستور، الذي يربط تعيين رئيس الحكومة بنتائج انتخابات مجلس النواب وبالحزب الذي يتصدرها. وتضع هذه القاعدة الدستورية النتائج الانتخابية في بداية مسار سياسي جديد تتداخل فيه الإرادة الشعبية مع قواعد تشكيل الحكومة. أما الأغلبية البرلمانية، فتحتاج إلى 198 مقعداً للحصول على الأغلبية المطلقة من أصل 395 مقعداً، وهو ما يجعل هندسة التحالفات مرتبطة بحسابات عددية واضحة، وبمفاوضات سياسية وبرنامجية ستحدد طبيعة المرحلة المقبلة. وستكون قيمة التحالفات في قدرتها على إنتاج انسجام في السياسات العمومية، وعلى تحويل التعدد الحزبي إلى قدرة على اتخاذ القرار، وعلى المحافظة على التوازن بين الاستقرار الحكومي والرقابة البرلمانية. ويمنح هذا الوضع للمرحلة المقبلة طبيعة تفاوضية واضحة، حيث ستكون البرامج والحقائب والأولويات الاقتصادية والاجتماعية وموقع كل حزب داخل الأغلبية أو المعارضة عناصر أساسية في تشكيل الخريطة السياسية الجديدة.
وإن انتخابات 2026 بداية دورة سياسية جديدة، تحمل معها موازين قوة جديدة وأسئلة جديدة حول قدرة النخب السياسية على إنتاج مرحلة تتناسب مع انتظارات مجتمع يتغير بوتيرة متسارعة.
-باحث في القانون العام والعلوم السياسية
رسائل انتخابات 2026.. Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.
مشاهدة رسائل انتخابات 2026
يذكر بـأن الموضوع التابع لـ رسائل انتخابات 2026 قد تم نشرة ومتواجد على قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد على هسبريس ( المغرب ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.
التفاصيل من المصدر - اضغط هنا :::
وختاما نتمنى ان نكون قد قدمنا لكم من موقع Pressbee تفاصيل ومعلومات، رسائل انتخابات 2026...
في الموقع ايضا :