ولعل المفارقة أن مدريد تحشد كل هذا الاحتفاء لتأكيد ما تعتبره من المسلّمات، وكأن اليقين يحتاج إلى تجديد شرعيته أمام الكاميرات، فيما تختار الرباط، بقيادة صاحب الجلالة الملك محمد السادس، أن تدير علاقات الجوار بمنطق التبصّر وحساب المصالح بعيداً عن إغراء الاستعراض.
ستظل سبتة، بعمقها الجغرافي والتاريخي مغربية، وأوسع من أن تحسم أسئلتها مراسم رسمية مهما بالغت مدريد في إضفاء الأبهة عليها. فالمدينة تختزن من تعقيدات التاريخ ما يتجاوز حسابات المناسبة، وتستحضر من حساسيات الجوار ما لا تستطيع الخطابات الاحتفالية تجاوزه.
وللسياسة، بطبيعة الحال، أن تستعين بما تشاء من الرّموز، غير أن الأعلام لا تعالج الأزمات، ولا تقدِّم أجوبة عن الأسئلة التي تتركها الوقائع مُعلقة. ولعل أعمق مفارقات المشهد أن مدريد، وهي تحشد كل مظاهر الأبهة لتأكيد ما تعتبره من ثوابت السيادة، تفتح للتاريخ أبواباً من التساؤل أوسع من تلك التي تحاول إغلاقها بالمراسم والخُطب.
وبين حرص مدريد على إبراز حضورها وهدوء المقاربة المغربية، تبرز مفارقة تحملُ سُخريتها في طيّاتها: وهكذا، وجدت مدريد نفسها أمام نتيجة لم تحسب لها حسابًا؛ فكلما سعَت إلى تأكيد ما تعتبره يقينًا، أعادت إحياء أسئلة التاريخ، وكأنّ المشهد بكل ما صاحبه من مظاهر يكشفُ حدود الرّمزية حين تَغيبُ قوَّة الحُجّة.
من الرباط إلى سَبتة… صخب المناسبة وحكمة الدولة
وتزداد دلالة هذا الاختيار حين نستحضر التحوّل الذي عرفه موقع المملكة المغربية في محيطها الإقليمي والدولي، حيث لم تعد العلاقات مع إسبانيا محكومة فقط بحساسية الجوار أو بإرث التاريخ، وإنما أصبحت ترتبط بتوازنات سياسية واقتصادية واجتماعية تجعل التعاون ضرورة متبادلة؛ لذلك، يحتل المغرب، بقيادة صاحب الجلالة الملك محمد السادس، مكانة محورية في قضايا الهجرة والأمن والتجارة والشراكة الأوروبية الإفريقية، بما يمنح علاقاته مع إسبانيا أبعاداً تتجاوز حساسيات الحدود وحسابات المناسبات.
السّيادة لا تُقاسُ بعَدَدِ المصورين
ولعل أبلغ ما يمكن استخلاصه من هذا المشهد أن السياسة لا تكمُنُ دائماً في الموضع الذي تكثر فيه الكاميرات، وأن الحكمة لا تقاس بعدد التصريحات ولا بحجم الاحتفاء. وبين من يستدعي رمزية الحضور لتأكيد موقفه، ومن يتعامل مع المواقف بمنطق المصالح وامتداد التاريخ، تتجلى مفارقة سياسية لا تحتاج إلى كثير من الشرح. فالصمت الدبلوماسي لا يعني الغياب عن المشهد، كما أن فخامة المراسم لا تضفي على المواقف قوة إضافية.
هكذا تبدو المملكة المغربية، بقيادة صاحب الجلالة الملك محمد السادس، بعيدة عن السياسة التي تنشغل بمظاهر الاستعراض، قريبة من جوهرها من تلكَ التي تجعل من التبصّر وبُعد النّظر أساساً لتدبير المواقف وصوْن المصالح. أما الجغرافيا، فلا تعبأ بفخامة الاستقبال؛ تشهدُ مرور المواكب وانصرافَ الوُفود، وتحتفظ للتاريخ بأسئلته التي تظل ماثلة في صمت المكان، لا تطويها القرون ولا تحسمها المراسم.
لنتأمّلْ؛ وإلى حديث آخر.
الأعلام لا تكتب التاريخ Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.
مشاهدة الأعلام لا تكتب التاريخ
يذكر بـأن الموضوع التابع لـ الأعلام لا تكتب التاريخ قد تم نشرة ومتواجد على قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد على هسبريس ( المغرب ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.
التفاصيل من المصدر - اضغط هنا :::
وختاما نتمنى ان نكون قد قدمنا لكم من موقع Pressbee تفاصيل ومعلومات، الأعلام لا تكتب التاريخ.
في الموقع ايضا :