رواية "الشجعان" .. الكاتب هشام ناجح يهدم مؤسسة كتابة التاريخ التقليدي ...المغرب

اخبار عربية بواسطة : (هسبريس) -

والكاتب هشام ناجح، وهو يقدم لنا هذه الرواية الباذخة، لا يحاول إحراز انتصار لموقف أو مفهوم في فعل الكتابة الروائية التي تتناول التاريخ، بل ينحاز بشجاعة لموقف المبدع النزيه الوفي لحقيقته بصفته كاتبا متحررا من الأحكام المسبقة. وبهذه الصفة التي تتيحها الرواية بجمالية أخَّاذة، يتخفَّف الكاتب من الانحياز الأيديولوجي وسلفية التاريخ المتعارضة مع قناعاته المبنية أساسا على الإخلاص للكتابة والإبداع.

هذه الشخصية المثيرة للإعجاب، بمواهبها، وببطولاتها في ساحات المعارك، وبتأثيرها القوي في الفرسان والفارسات بسبب زرع القوة وروح الإقدام في أنفسهم. إنها المرأة التي أُغرم بها المقاوم الفذ الشاعر “البوزيدي”؛ الذي شكَّل مع “مباركة بنت حمو” -أو “النيرية” نسبة إلى أشجار النير الصلبة- من خلال الكلمة الحادَّة المُلهمة، دافعاً وحافزاً للمقاومين وبعض المُتخاذلين، على حد سواء، لمواصلة المقاومة وعدم الاستسلام.

ونلاحظ كل هذا من خلال اشتغال الروائي هشام ناجح على ثيمات ومستويات متنوعة، توزعت على البلاط السلطاني والأعيان باعتبارهم يمثلون الحكم والسلطة بشكل أو بآخر، وزعماء القبائل بصفتهم قوى فاعلة ومؤثرة في المجتمع. ليصل بنا الكاتب إلى الشِّعر مُسخِّرا إياه مطيّة ومعطى أساسيا، من خلال شخصيّة الشاعرة النيرية الفارسة المغوارة، التي حاربت الاستعمار عمليا بالبندقية، وبالقصيدة في الوقت نفسه. كما أن الكاتب هشام ناجح أوجد شاعرا مقاوما مفترضا في الرواية، وبتصور منطقي، قد يكون هذا الفارس الشاعر حقيقيا، بغض النظر عن الاسم وفن الشعر، لأن الرواية تُصوِّر لنا شخصية البوزيدي بدقة وبمهارة تناسب مقام الشاعرة النيرية وحسنها وتمكنها في قول الشعر ونظمه.

وهنا ندرج بعضا من الوثيقة كمثال على ما نقول: “لما تكالبت الوقت، وضاقت الحيل والسبل بأهل المغرب الأقصى، استفحل داء الهوان على السلطانية الشريفية المغربية، واشتد الشقاق والنفاق بين السلطان عبد العزيز وأخيه عبد الحفيظ، وزاد الشنآن بين أبناء الحسن دون استثناء. ولم تعد مراكش وفاس على هبة من أمرهما، القائم على البيعة والإمارة، ومقاصد العروة الوثقى. فاجتاحت السيبة معظم السلطانية، وساءت أحوال البلاد والعباد، واختلط أمر الخاص والعام، وتدهورت أحوال البلد. ولم يعد الزطاط والمزراك وتاكمات بتلك القوة التي تؤمنها للقبائل والقوافل والركبان، فكانت الفرص مواتية للفرنسيس النصارى ليتولوا شؤون العباد بعد أن عقدوا مع بعض الأعيان مواثيق تصون الود، وتنآى عن الرد”. إلى أن نقرأ في آخر الوثيقة: “والعجب العجاب أن امرأة لينة العود، كريمة المنشأ، تدعى “مباركة النيرية” من حرائر ولاد البهيش – عجزت النساء على ما أصابهن من العقم أن تلدن مثلها – هي من قومت الحَرْكات، وأشعلت نار الجهاد؛ إنها فارسة نظّامة، تلقي بكلام يشيب له الغراب، ويفنى له التراب، ويشد العزائم، ويسمو بالهمم، ويخرس المماري الأفاك المشاء بنميم. ومن تخلف عن حَرْكتها، سيموت كمدا وغيظا حالما يتم لطم حصانه بالحناء بسطلها الدائم، المعقود، على خرصة سرج حصانها حجر الواد كأمائر الإثبات، لا سلّطها الله على الساهي والهاذي، والوَسِن الهَجِع، والمتخاذل الكُتَع. والحصان الملطوم يعد من الرزايا الجسام، ولا ديّة له في عرف الأقوام، والذي نفسي بيده، كان الفارس الجبار والحاذق الميّار، يمعن النظر ويطيل البصر، حتى يسلم ويسلك من سيول الحناء المسطورة على المطايا، والمنقوعة بالدنايا البهمى والتصغير والتّشفّي بالهزء الأدنى.

بسم الله باش بدينا

راهه الرباعة سارت لله

فين صهصالين العلفات؟

وفي مستوى آخر، يؤثث هشام ناجح عمله الروائي بوقفات شعرية بارعة كما رأينا، واستطاع أن يتماهى تماما في نظم شعر لشاعر مُتخيل، بمقومات تلك الحقبة التاريخية ولغتها. وعند قراءة شعر البوزيدي الذي ليس في الواقع إلا من نظم الكاتب نفسه، نقف على التمكن والموهبة المثيرة للاهتمام التي برع فيها الكاتب في نظم شعر زجلي لا أحد بمقدوره أن ينكر قيمته الفنية العالية:

رجلة وسخاوة والزعامة تلالي

مزّينك بركبة والوركة حداك تشالي

جْمّاع، والصينية والبراد جوج والنخوة

الله الله ألوالي سيدي ميمون

وكما هو واضح، فالقارئ لن يتوقف عند الوثيقة العدلية بإعجاب فحسب، بل سيندهش عندما يجد نفسه أمام هذه المقتطفات الشِّعرية، التي ينبغي النظر إليها روائيا، من نظم البوزيدي الشخصية الفاعلة في الأحداث والعاشق للنيرية. غير أن هذا الشعر البديع كما قلنا هو من نظم الكاتب نفسه، وبهذا نجد أنفسنا بصفتنا قراء أمام عمل متكامل، عمل اشتغل عليه الكاتب هشام ناجح من جميع الجوانب.

يجب التنبيه إلى أن رواية “الشجعان” لا تعيد كتابة التاريخ من جديد، ولكنها تلامس أهم أحداثه، بل تقترب من التاريخ للدرجة التي تصبح فيها الرواية شبه كتاب للتاريخ. لكن براعة الكاتب تتجلى في المقاربة التي تعكس كتابة تاريخية بنَفَس رواية مستقلة تماما عن التاريخ. ونجد ملامح هذه المزاوجة واضحة في بِنْيَة رواية “الشجعان”، بِنْيَة تقبض على توثيق الحدث التاريخي بشموليته الكاملة، بدون التفريط في شكل الرواية الفني، ولا في استدعاء التاريخ حَرْفيا إلى أجواء الرواية.

وفي ظل التَّفوُّق الجمالي الذي تفرضهُ الرواية، لا ينبغي أن نستغرب التداخل المؤسِّس للفعل الأدبي في الرواية، أو للحكي بوصفه مادة فاعلة بقوة في التاريخ. وهنا يجب أن ننتبه إلى أن التاريخ لطالما رمَّم الكثير من الثغرات، أو المناطق المظلمة في تركيبته باستدعاء فن التخييل، لإتمام دورة التاريخ الناقص دوما لولا التّدخُّل الحاسم للتخييل. والشأن نفسه في تعامل الرواية مع التاريخ، لأن الرواية حتى وهي تحرص أشد الحرص على تعزيز الحضور الواقعي للتاريخ في الرواية، إلا أنها، وفي ظل الخصاص المحتوم، تلجأ إلى التخييل لنسج رواية تاريخية بخيط ناظم يظل وفيا للرواية، بالقدر نفسه الذي تظل فيه الرواية وفية للتاريخ.

ولعل أكثر شيء يثير الانتباه في كتابة الرواية التاريخية هو أن كل شيء فيها متحول ومتحرك وقابل للانتفاض على نفسه ووضعه ومساره، باستثناء المكان والزمان اللذين يظلان محورا ثابتا لا يمكن تحويله إلاّ ضمن رقعة محسوبة بدقة سلفا، ويمكن البناء على هذه الرقعة الزمكانية، أو الرقع الزمكانية لتحرير النص من الجمود أو الضياع في تيه قد يُجرِّد التاريخ من أهم الثوابت التي يتأسس عليها وهو يلج عوالم الرواية.

ومن هذا المنطلق نكتشف، ونحن نقرأ رواية “الشجعان” للكاتب هشام ناجح، التقاطع الهندسي المثير للإعجاب في الأمكنة والأزمنة، واستحضار المواقع التي شهدتها الأحداث، بما في ذلك البلاط السلطاني، ومقر إقامة ليوطي المقيم العام الفرنسي في تلك الفترة الحاسمة المُتَّسمة بعدم الثقة، والمواجهة السياسية والعسكرية الصريحة بين الشعب المغربي والمحتل الفرنسي. كما تتناول الرواية، بمهارة عالية، تاريخ تلك الفترة بتفاصيلها الدقيقة المثيرة، بحيث تحيط بأحوال البلاد السياسية والاجتماعية، ولا تغفل شخوصاً ...

مشاهدة رواية الشجعان الكاتب هشام ناجح يهدم مؤسسة كتابة التاريخ التقليدي

يذكر بـأن الموضوع التابع لـ رواية الشجعان الكاتب هشام ناجح يهدم مؤسسة كتابة التاريخ التقليدي قد تم نشرة ومتواجد على قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد على هسبريس ( المغرب ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.

التفاصيل من المصدر - اضغط هنا :::

وختاما نتمنى ان نكون قد قدمنا لكم من موقع Pressbee تفاصيل ومعلومات، رواية "الشجعان" .. الكاتب هشام ناجح يهدم مؤسسة كتابة التاريخ التقليدي.

آخر تحديث :

في الموقع ايضا :

الاكثر مشاهدة اخبار عربية
جديد الاخبار