إعداد وتقديم- سعيد الباز
لا يمكن فصل الحياة الأدبية والفكرية في كلّ الأحوال عن الطبيعة الإنسانية، سواء كان الأمر يتعلّق بالصداقة أو العداوة، الاتفاق أو الاختلاف.. لكنّ لا يمكن إغفال دور الصداقات الأدبية في التأثير وتبادل الرؤى والتصورات، وما تشكّل من دعم وإسناد لحياة الكُتّاب في مواجهة مغامرة الكتابة والإبداع.
كاساريس وبورخيس.. قصّة تلميذ أبدي
اشتهر الكاتب الأرجنتيني أدولفو بيوي كاساريس (1914- 1999) Adolfo Bioy Casares بروايته «اختراع موريل»، التي ألقت الضوء على روائي أرجنتيني كان له تأثير واسع في بلده وفي أمريكا اللاتينية.
ينتمي أدولفو كاساريس إلى عائلة ميسورة جدا في العاصمة بيونس أيريس وكان لقاؤه بخورخي بورخيس في بيت صديقة والدته الكاتبة الأرجنتينية فيكتوريا أوكامبو بداية علاقة أدبية وصداقة روحية ستجمعهما طيلة حياتهما رغم فارق السنّ بينهما. كان بورخيس، بحكم سنه، يبدو كما لو أنّه المعلم والأب الروحي لأدولفو كاساريس، لكن الحقيقة غير ذلك. لقد حدث بين الكاتبين تفاعل مثير، إذ اشتركا في تأليف أكثر من خمسة عشر كتابا، واختلفا في الوقت نفسه في أسلوب الكتابة ومنظورهما إلى الحياة والوجود.
يقول بورخيس عن صديقه أدولفو كاساريس مقرّا بفضله: «كان أدولفو بيوي كاساريس، دون أن يظهر ذلك، هو المعلم، معارضا ذوقي تجاه ما يثير العواطف والأشجان، والميل إلى الحكم والأمثال والباروك، كان يقودني خطوة بخطوة باتّجاه الكلاسيكية». أمّا أدولفو كاساريس فيقول عن بورخيس ودوره في تفتق موهبة الكتابة لديه واستفادته من خبرته وتجاربه في الكتابة: «كل تعاون مع بورخيس يعادل سنين من العمل». نال أدولفو كاساريس شهرة كبيرة بفضل روايته العجائبية «اختراع موريل» التي وضعته في مصاف الكتاب الكبار في الأرجنتين، وكانت بحق رواية سبقت زمنها بكثير، على مستوى موضوعها وبنائها الروائي الصارم والمحكم، إضافة إلى أسلوبها ولغتها الروائية الموضوعية والخالية من أيّ نبرة عاطفية حيث يتحول السرد إلى تقرير مختصر للأحداث والوقائع. ففي المقدمة التي وضعها بورخيس للرواية يصفها بقوله: «… لقد ناقشت مع صاحبها تفاصيل الحبكة، وأعدت قراءتها، لا يبدو لي عدم دقة ولا مغالاة منّي في أن أصفها بالكمال».
ورغم حجم الرواية الصغير أتيح لها أن تعتبر عملا روائيا جديدا بكل المقاييس، كان له التأثير الكبير على الروائيين الجدد في أمريكا اللاتينية، وأسهمت في تطور الرواية في أمريكا اللاتينية وامتلاكها لخصوصيتها.
محمد شكري ومحمد برادة.. أواصر صداقة مثمرة
كان للصداقة التي جمعت الكاتبين محمد شكري ومحمد برادة، رغم مساريهما المختلفين في الحياة والكتابة الأدبية، دور كبير في تطوّر عملهما الأدبي واستلهام آفاق جديدة في الكتابة والإبداع، عبّرت عنها رسائلهما المتبادلة التي تكشف عن أوجه هذه الصداقة المثمرة، المنشورة في كتاب «ورد ورماد».
جاء في إحدى رسائل محمد شكري إلى محمد برادة: «أكتب لك من فراشي. دخلت إلى شقتي في الخامسة مساء، الساعة الآن التاسعة. تعشيت جزراً وبصلاً وخرشوفاً وزيتوناً وجبناً عربياً. أشرب ما تيسر، أستمع إلى برامز.
انتهيت منذ لحظة من مراجعة قصتي المستحيل. كتبتها عام 67 وأعدت كتابتها عام 70. أستمع الآن إلى ليو فرّي. الفأر الذي أتحدث عنه هنا كان يريد أن يكون صديق محمد زفزاف. كنت أسكن منزلاً أرضياً في طريق رابليه. كان زفزاف يحب النوم في المطبخ الكبير. الفأر يحب أن يلعب الاستغماية فوق وجه زفزاف النائم. ضاق زفزاف بهذه الغميضة. ينهض مراراً صارخاً طالباً مني أن أقتله. أمسكت هراوة صغيرة واختبأت له في ركن من المطبخ والنعاس يغلبني. زفزاف نائم وعلى وجهه فوطة. ظهر الفأر الصغير محدقاً فيّ بلا خوف. لم أستطع قتله. شيء نحيل! كان جميلاً ومسكيناً. لا أعرف ماذا حدث بعد ذلك! فقد كفّ عن المجيء… ربما أدركته حكمة الفئران.
أنا ماض في استنساخ القصص الست مضروبة على الآلة، اخترت 18 قصة، الأخرى مزقتها. اثنتان منها نشرتا: «بائع الكلاب» في مجلة الآداب عام 69 و«الجنين لم يتحرك» في مجلة 2000، أيضاً مزقت رواية «الليل والبحر» التي كتبتها سنة 66، احتفظت بفصل منها، سأحوله إلى قصة قصيرة بالعنوان نفسه. هل يتنكّر الإنسان حتّى لنفسه؟ نعم، وحتّى الموت!
إنني أطهر نفسي. الكتب تنام معي. عادة اكتسبتها منذ سنين. القراءة والكتابة في الفراش. «مذكرات اللص» لجان جنيه أعيد قراءتها بالفرنسية والإسبانية. كذلك أقرأ «تاريخ العلم» لجورج ساتورن، «شعراء المدرسة الحديثة» لروزنتال، مجلة عالم الفكر العدد الخاص بالزمن. و«قصائد حب على بوابات العالم السبع» للبياتي. غارق في القراءة، لكن الإحساس بالكتابة لم يغزني بعد».
أمّا محمد برادة فيكتب عن هذه الصداقة: «أول مرة تعرفت فيها على محمد شكري، حين التقيته خلال عطلة صيف 1972 بشارع باستور بطنجة… كان يمسك برسن كلب كبير ويمشي بتلقائية وسط زحمة الناس. كنت قد قرأت له نصوصا بمجلة «الآداب» وسمعت أخبارا مليئة بالمبالغات عن حياته الخاصة. تواعدنا على اللقاء في المساء. ولفت نظري خلال محادثتنا التي امتدت إلى ساعة متأخرة من تلك الليلة، أنّ شكري أبعد ما يكون عن الصورة التي يرسمها له المعجبون. كان رزينا في حواره عقلانيا في حججه، جريئا في طروحاته ونقده. لمّا يقرأ لم يكن مشدودا إلى «أسطورة» ماضيه. بل كان مفتح العينين على حاضره. يعيش أقرب ما يكون إلى الواقع المعقّد المتسارع في تحولاته وأعجبني أنّه لم يكن يلغي ذاته وهو يتحدث أو يختبئ وراء العبارات الأدبية التي يلجأ إليها كثير من المثقفين. منذ ذلك اللقاء، أخذت أواصر الصداقة تنتسج بيننا واقتنعت بأنّ تجربة شكري في الحياة والكتابة تستحقّ أن تُعرف وأن تُقرأ لأنها تمتح من نسوغ غير مألوفة في كتابات وتجارب زملائنا الآخرين. لذلك بادرت سنة 1977 إلى نشر فصل من خبزه الحافي بمجلة «آفاق» التي كنت أرأس تحريرها واستدعيته للقاء الرواية العربية بفاس (1979) وحملت مخطوطه «الخبز الحافي» إلى دار الآداب ببيروت التي اعتذرت عن نشرها لجرأتها. الأهم من كلّ ذلك أنّ الحوار امتد بيني وبين شكري خلال اللقاءات ثم عبر الرسائل لأنني وجدت فيه محاورا قريبا إلى النفس. متّصفا بالتلقائية والصراحة، وكان يخيّل إليّ، ولعلي كنت مخطئا، أنّ شكري يحتاج إلى من يذكّره بضرورة الاستمرار في الكتابة لمقاومة تفاهة المحيط الذي كان يعيش فيه. لكنني، وأنا أعيد قراءة الرسائل الآن، وجدت أنّ إلحاحاتي هي أيضا نوع من التذكير لنفسي بأنّ الكتابة أهمّ من النشاطات السياسية والثقافية التي كنت مشدودا إليها».
تعتبر العلاقة الإنسانية والأدبية بين الروائيين من أمريكا اللاتينية غابريال غارسيا ماركيز وماريو بارغاس يوسا أكثر من مثالية. فقد كان التقدير والإعجاب متبادلين بينهما حدّ تقديم ماريو بارغاس يوسا أطروحة الدكتوراه حول الأعمال الروائية لغابريال غارسيا ماركيز، وإضافة إلى كونهما حصلا على جائزة نوبل للآداب، فهما أيضا رائدان للاتجاه المسمى الواقعية السحرية في أمريكا اللاتينية.. لكن وأثناء تقديم العرض الأول لأحد الأفلام في المكسيك سنة 1967، تقدم ماركيز لعناق صديقه يوسا، إذ بهذا الأخير يوجه إليه لكمة قوية طرحته أرضا. بعد هذا الحادث، الذي أصبح قطيعة تامة بين الصديقين، كثرت التأويلات فهناك من أرجعها إلى الاختلافات الإيديولوجية بعد تراجع يوسا عن توجهه اليساري إلى معاداته للنظام الكوبي فيما ظل ماركيز صديقا لفيديل كاسترو ووفيا لانتمائه اليساري. رواية أخرى ترجّح أنّ الأمر يعود إلى الفترة التي كان فيها الخلاف مستعرا بين يوسا وزوجته، والزعم بأنها طلبت مشورة ماركيز الذي نصحها بطلب الطلاق، ما اعتبره يوسا خيانة من قبل صديقه. الغريب أن الكاتبين الكبيرين المتخاصمين اتفقا على لزوم الصمت حول هذا الحادث. يقول يوسا: «أنا وغارسيا ماركيز أبرمنا اتفاقاً بألا نغذي الإشاعات حول علاقتنا، مات وهو متمسك بوعده وسأموت وأنا متمسك بوعدي أيضاً». في أحد الحوارات يذكر ماريو بارغاس يوسا هذه المرحلة الذهبية لأدب أمريكا اللاتينية: «كان وقتا رائعا، حقبة اكتشفت فيها أوروبا والولايات المتحدة واكتشف فيها العالم أدب أمريكا اللاتينية، الذي كان موجودا منذ فترة طويلة ولكنه كان حبيسا. لم يغادر أمريكا اللاتينية. وفي وقت واحد، في أواخر الخمسينيات وأوائل الستينيات، تمّ اكتشاف أدب أمريكا اللاتينية، وحتى أمريكا اللاتينية نفسها بدأت في قراءة وإعادة اكتشاف مؤلفيها، مثل خورخي بورخيس… خاصة لأننا اكتشفنا أنّ لدينا هوية أمريكية لاتينية مشتركة. عندما كنت في بيرو، لم أكن أعرف ماذا يكتب المرء في كولومبيا والإكوادور وشيلي، باستثناء ربما بابلو نيرودا. لم تكن لدينا أيّ فكرة ماذا يعني أن تكون أمريكيا لاتينيا. كانت المرة الأولى التي شعرت فيها بهذا الشيء، عندما كنت أعيش في باريس. وذلك عندما بدأت في قراءة أدب أمريكا اللاتينية. كان من الملهم بأننا من المكسيك والأرجنتين وبيرو، ولدينا نفس الجذور». معترفا في الأخير بالأسباب الحقيقية لتوتر علاقته بغابريال غارسيا ماركيز: «صداقتنا وأخوتنا تحطمت بفعل الخلافات السياسية. كما هو الحال دائما. حيث بدأت الانقسامات، المشاجرات. ولكن للحقيقة: كانت هناك صداقة نجت من هذه الخلافات السياسية».
سارتر وكامو.. بين الأمل واليأس
كان اللقاء الأوّل بين جان بول سارتر وألبير كامو واعدا بصداقة كبيرة، وبدا مبشرا بظهور كاتب وجوديّ لامع، ما جعل سارتر يحتضنه هو وزوجته سيمون دو بوفوار ويعدّه فردا من أفراد العائلة. غير أنّ صدور كتاب «الإنسان المتمرد» لألبير كامو حيث نأى بنفسه عن التيار الشيوعي الستاليني الذي كان مهيمنا على الساحة الفكرية في فرنسا، وسارتر نفسه كان من أقطابه.. هاجم أتباع سارتر ألبير كامو بعنف شديد ولم يتورع سارتر نفسه في الكتابة إليه: «لقد كانت شخصيتك تمثل الأمل… اليوم أصبحت تمثل اليأس». بعد وفاة كامو بشكل مفاجئ إثر حادثة سير، أقدم سارتر على تأبين صديقه القديم، ما اعتبر نموذجا لصدق المشاعر وإظهار النبل الإنساني: «مضت ستة أشهر، كما مضى الأمس، كان فيها كامو ممزقا وسط ...
مشاهدة nbsp من الصداقات إلى العداوات الأدبية
يذكر بـأن الموضوع التابع لـ من الصداقات إلى العداوات الأدبية قد تم نشرة ومتواجد على قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد على الاخبارعلى مدار الساعه ( المغرب ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.
التفاصيل من المصدر - اضغط هنا :::
وختاما نتمنى ان نكون قد قدمنا لكم من موقع Pressbee تفاصيل ومعلومات، من الصداقات إلى العداوات الأدبية.
في الموقع ايضا :