ندوة حول السيرة والتصوف والهوية ...المغرب

اخبار عربية بواسطة : (هسبريس) -

تدرج بنا الحديث على خلفية أصداء المشاهدين الذين يشاهدون المباراة على التلفزيون بكل حماس وانفعالات، وأجواء المقهى حبلى بتعليقاتهم على سير أطوار المباراة، سخطا ورضى، ونحن في غفلة عن هذا نتحدث عن السيرة وعن كتابتها عند المتصوفة، ورحلنا مع الشيخ أحمد بن عجيبة الحسني (1748 ـ 1809) وكتاب سيرته الذاتية “الفهرسة”، وكيف يتحدث فيه عن معاناة المريد والسالك المتدرج في طريق صحبة شيخه محمد البوزيدي، تلميذ مولاي العربي الدرقاوي. ثم طاف بنا المقام للحديث عن الشيخ مولاي بوعزة (أبو يعزى بن عبد الرحمن) الذي يُعد من أبرز أعلام التصوف بالمغرب؛ عاش في القرن السادس الهجري، الثاني عشر الميلادي، واشتهر بالزهد والكرامات… رغم أميته، وأنه لم يكن يتحدث إلا الأمازيغية فقط، حظي بمكانة عظيمة واحترام كبار علماء عصره، فذكره أكثر من واحد من أقطاب التصوف، كابن عربي في الفتوحات، وصاحب الروض، وتلميذه أبو مدين الغوت شعيب، الذي قال: “رأيت أخبار الصالحين من زمان أويس القرني إلى زماننا هذا، فما رأيت أعجب من أخبار أبي يعزى”؛ وأما الشيخ أحمد زروق فيعده من الأولياء الثلاثة الذين استمر تأثيرهم في المغرب بعد موتهم، وهم أبو العباس السبتي، ومولاي عبد السلام بن مشيش، وأبو يعزى لينور. ثم تحدثنا عن الشيخ أبي الفضل شهاب الدين أبو العباس أحمد زروق نفسه، الصوفي الذي يكاد لا يخلو كتاب من كتب الفقه المالكي من ذكره، وقد رحل إلى الشرق طلبا للاستزادة من العلم وكانت له مكانة كبيرة، ودرّس في جامع الأزهر وكانت له شهرة كبيرة هناك؛ ثم اختار مدينة مصراتة في ليبيا دار مقام له وتوفي بها سنة 1494 م.

بعد اختتام أشغال المهرجان الدولي للمسرح الجامعي كنت ليومين متتاليين في ضيافة الصديق الدكتور عبد القادر كنكاي، العميد السابق لكلية الآداب والعلوم الإنسانية بنمسيك، الذي غاص بي في جولات ثرة بهية في وهاد الدار البيضاء، وكانت صحبته إمتاعا ومرافقته مؤانسة؛ إلى أن أودعني مدخل مقر “المجلس العلمي المحلي لعمالة مقاطعات الدار البيضاء ـ أنفا”، حيث كان شعيب حليفي في استقبالي. ودعنا معا حليفي أنا الدكتور كنكاي ودخلنا صرح مقر المجلس العلمي، الذي بخطوة واحدة فوق عتبته انتقلت من عالم شوارع الدار البيضاء بهندستها الدخيلة إلى عالم صاعد من بين طيات أسفار التاريخ العمراني المغربي الأندلسي، بروائح وأريج خشب الأرز وتصاميم جمالية الهندسة المغربية.

قادني الدكتور حليفي إلى غرفة تشكل عضوا في نسق جمال البناية، مصففة بتأثيث جمال الهوية العمرانية المغربية، لأجد فيها الدكتور حكيم الفضيل الإدريسي، الباحث، والأكاديمي، وأستاذ التعليم العالي في تخصص الأدب والتصوف بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بنمسيك، ورئيس المجلس العلمي لعمالة مقاطعات الدار البيضاء. والدكتور سعيد يقطين، الكاتب والناقد والباحث في مجال السرديات العربية. كان اللقاء بيننا حميميا، لقاء أعاد بعد ردح من الزمن ذكرى دراسته في مدينة فاس والمشاركة بكثافة في فعالياتها الثقافية والعلمية، والمساهمة في تأسيس فرقة “مسرح الأقنعة”. يقطين الذي نشرت له مساهمات في الساحة الأدبية المغربية والعربية من سنة 1985 إلى 2026. ثم اللقاء بالدكتور إدريس قصوري، أستاذ بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بنمسيك بالدار البيضاء، الذي له إسهامات في الساحة المعرفية المغربية.

رائحة الزمن

ونحن ننتقل من قاعة الغداء إلى قاعة الشاي، مارين من جديد في رحاب بهو بناية المجلس العلمي، قالت لي الدكتورة المسكيني: “إن رائحة الخشب هنا تذكرني بخزانة القرويين”. ذكرتها الرائحة المنبعثة من أرجاء المكان بالفترة التي عملت فيها في خزانة القرويين، حيث كانت لها تجربة في البحث العلمي تضمنت تحقيق عدد من المخطوطات النفيسة المحفوظة في هذه الخزانة التاريخية؛ لقد ترجمت كلماتها ذلك الحنين الذي تأسرنا به تلك المدينة العجيبة في حبائلها، فتسكننا حيث ما كنا وحيث ما ارتحلنا، إنها “كقدرنا الذي يتلبسنا ويضرب أوتاده في شراييننا”، حسب تعبير الكاتب المسرحي المغربي أحمد العراقي.

استقللنا سعيد يقطين وأنا سيارة شعيب حليفي وهو يقودنا إلى مقر ضريح الولي سيدي عبد الرحمان، الذي يبعد عن الدار البيضاء ـ أنفا بحوالي عشرة كيلومترات. كانت الرحلة القصيرة مزيجا من الأحاديث عن الأدب والاستماع إلى موسيقى غير مبتذلة. توقفت السيارة ومررنا إلى الضفة الأخرى من الشارع، لأجد نفسي مبهورا بذلك المنظر الرائع والتحول الذي عرفته تلك البناية البيضاء والحلة الجميلة التي لبستها فوق تلك الجُزيرة الصخرية في المحيط الأطلسي، المنعزلة عن صخب شاطئ ومنتزهات عين الذئاب.

لقد تم وصل الصخرة الجُزيرة بجسر عريض يسمح بمرور سيارة فوقه دون عناء، جسر مصغر تتدفق من تحت أقواسه مياه البحر الأطلسي في حالة مده، وتنحبس في حالة جزره. صورة مصغرة تعيد إلى الذاكرة الجسر الذي يمر فوق الوادي الكبير ويربط محيط جامع قرطبة بأرباضه. ونحن نمر فوق الجسر كان أسفله على الجهة اليسرى أطفال وبعض النساء يستحمون في ماء دافق يخرج من بين صخور اليابسة وبقوة، ماء صاف لا هو بالماء الحار أو العكر. ربما من هنا بدأنا نستشعر كرامات الولي الصالح سيدي عبد الرحمان.

ثم عبرنا إلى فضاء الضريح الداخلي، الذي حولته الهيكلة الهندسية الأخيرة إلى فضاء جدير باحتضان أجواء ثقافية ودينية في الوقت نفسه، باستيعاب ندوات وتظاهرات علمية وثقافية ذات استيعاب جماهيري محدود، مع إطلالة رائعة على المحيط والفضاء الخارجي الممتد على البحر؛ وذلك من خلال نوافذ زجاجية كبيرة تصل امتداد البحر بصخرة الجُزيرة في علاقة تناغم وانسجام روحي يرشح بفيض الاختلاء والتأمل في الذات والمحيط.

الهوية والانفتاح

جاءت مساهمات الباحثين كغيث أفاض على المكان سر وسحر أهمية موضوع الندوة “أدب السيرة بالمغرب وأسئلة الهوية والانفتاح”، التي أدار مسارها الدكتور إدريس قصوري، ممهدا لمساهمات باقي الفاعلين من خلال توطئة بيّن فيها أهمية تناول السيرة، لما تشكله من إضاءات للهوية المغربية وتاريخها والوعي بها، فالسيرة ليست توثيقا لما هو ذاتي، بل تعبيرا عن هوية ذاكرة جماعية؛ وإقامتها في هذا الفضاء الذي يحمل من السمات الروحية الكثير يمنح فرصة نقل ما هو داخل المناخات المغلقة إلى الجمهور ومانحا إياه إمكانية اللقاء المفتوح.

المداخلة الثانية قدمتها الباحثة الدكتورة لطيفة المسكيني، التي قامت بقراءة في ثلاثة أعمال: “التشوف إلى رجال التصوف”، من القرن الثالث عشر الميلادي ليوسف بن يحيى التادلي، المعروف بابن الزيات، وهو من أقدم الكتب المغربية التي اهتمت بسير المتصوفة وتراجيمهم، وكتاب الشيخ الحميري المعروف بابن الصباغ، من علماء التصوف من القرن الثامن الهجري الرابع عشر الميلادي، “درة الأسرار وتحفة الأبرار في أقوال وأفعال وأحوال ومقامات ونسب وكرامات وأذكار ودعوات سيدي أبو الحسن الشاذلي” (1197 ـ 1258)، وكتاب “لطائف المنن” لابن عطاء الله السكندري (1260 ـ 1309).

أما شعيب حليفي فقبل أن يتناول في مداخلته أحد أعلام الفقه والتصوف المغربي أحمد زروق شارك الحاضرين بسؤال مستفز وفي الوقت نفسه تنبيهي: “إذا سألتكم اليوم كم تعرفون من عَلَمٍ مغربي مؤثر في تاريخ المغرب؟ فكيف سيكون جوابكم؟”، انطلاقا من أن المغاربة لا يعرفون في الغالب إلا أسماء أعلام محدودة مثل يوسف بن تاشفين ابن بطوطة وغيرهما. لقد تناول حليفي في ما تناوله في مداخلته المرحلة الاستعمارية التي حاولت جادة جعل المغاربة يشعرون بأن قيمتهم الثقافية والتاريخية أقل من الآخرين، وهو سعي في إطار طمس الهوية، بل تشتيتها ومحوها؛ فالمكتوب من تاريخنا لا يمثل إلا جزء يسيرا من التجارب التي عاشتها شخصيات مغربية كثيرة، إلا أنها لم تكتب سيرتها الذاتية. ومن الشخصيات المغربية التي لم يكن دورها التبرك والاقتصار على البحث الفقهي فقط، بل كانت شخصية جهادية للدفاع عن الوطن وعن الانتماء إلى العالم والفكر الإسلامي، شخصية أحمد زروق، الفقيه الصوفي (1443 ـ 1494 م) الذي يرد ذكره كثيرا في المصنفات الفقهية المالكية المتأخرة، والذي دفن في مصراتة في ليبيا.

الكتابة تجربة روحية

كان الأستاذ حكيم الفضيل الإدريسي خاتم المساهمين في هذه الندوةـ وقد اختار لموضوع مداخلته: “الكتابة الصوفية للسيرة النبوية: ذخيرة المحتاج”، للشيخ محمد المعطى الشرقاوي التدلاوي، وهو من علماء ومشايخ القرن الثاني عشر الهجري، الثامن عشر الميلادي، ليبين أن الكتابة العلمية تجلت في الكتابات الصوفية وفي مصادرها العلمية، المبنية على مصادر الحديث النبوي بمفاهيمها المثلى، الحقيقة المحمدية، وبصفات الكمال في الوجود والذات المحمدية، وأن كتابة السيرة على المستوى الأدبي تكاد تنعدم في الأدبيات الصوفية، غير أن العالم المغربي الشيخ المعطي الشرقاوي أعطى، من خلال مؤلفه “ذخيرة المحتاج في الصلاة على صاحب اللواء والتاج”، الذي هو فوق الستين جزءا، نموذجا استثنائيا في كتابة السيرة؛ فقد خرق هذا العالم الكبي قاعدة كتابة السيرة النبوية على نحو التسلسل التاريخي، وبدأ بحادثة الإسراء والمعراج، ليس بهدف تدوين الحدث التاريخي في حد ذاته، ولكن بغرض الوصول إلى تنوير المتلقي. فكتابة الشيخ المعطي لا تنبع من تدوين السيرة تاريخيا ولكن انطلاقا من تجربة ذاتية صوفية روحية نابعة من الفيض الإلهي وأنوار المحبة المحمدية، التي هي دائما في تجدد واتصال غير منقطع.

غادرت مع شعيب حليفي وسعيد يقطين ولطيفة المسكيني المكان قبل نهاية الأمسية، لأن الأخيرين كان عليهما إدراك القطار المتوجه إلى الرباط من محطة الميناء محملين بعدد من الكتب التي منحت المحاضرين من طرف المجلس العلمي بعد نهاية الندوة. في محطة القطار الميناء ودعنا المسكيني ويقطين، وأوصلني حليفي إلى الدكتور عبد القادر كنكاي من جديد، لتبدأ رحلة أخرى.

ندوة حول السيرة والتصوف والهوية Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.

مشاهدة ندوة حول السيرة والتصوف والهوية

يذكر بـأن الموضوع التابع لـ ندوة حول السيرة والتصوف والهوية قد تم نشرة ومتواجد على قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد على هسبريس ( المغرب ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.

التفاصيل من المصدر - اضغط هنا :::

وختاما نتمنى ان نكون قد قدمنا لكم من موقع Pressbee تفاصيل ومعلومات، ندوة حول السيرة والتصوف والهوية.

آخر تحديث :

في الموقع ايضا :

الاكثر مشاهدة اخبار عربية
جديد الاخبار